الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وإن قال وقف ، أو لولدي : لم يمنع مدع من بينته ، [ ص: 566 ] وإن قال لفلان ، فإن حضر : ادعي عليه ، فإن حلف فللمدعي تحليف المقر ، وإن نكل حلف وغرم ما فوته ، [ ص: 567 ] أو غاب لزمه يمين أو بينة ، وانتقلت الحكومة له ، فإن نكل أخذه بلا يمين ، وإن جاء المقر له فصدق المقر ، أخذه .

التالي السابق


( وإن ) ادعى على شخص بشيء معين وطلب منه الجواب ف ( قال ) المدعى عليه ( هو ) أي المدعى به ( وقف ) على فلان أو المساكين ( أو ) قال هو ( لولدي ) مثلا ( لم ) الأولى فلا ( يمنع ) بضم التحتية ( مدع ) لذلك الشيء ( من ) إقامة ( بينة ) على أنه له بحضرة الموقوف عليه الرشيد أو ناظر الوقف أو ولي الموقوف عليه المحجور . ابن شاس إن ادعى [ ص: 566 ] عليه ملكا فقال ليس لي إنما هو وقف على الفقراء أو على ولدي أو هو ملك لطفل فلا يمنع ذلك إقامة بينة للمدعي حتى يثبت ما ذكر ، فتوقف الخصومة على حضور من ثبتت عليه الولاية . ابن عرفة هذا مقتضى أصول المذهب ، ومقتضى إقراره بذلك لحاضر أو غائب ولم أعلم من ذكر نفس هذه المسألة التي ذكرها إلا الغزالي في وجيزه .

( وإن قال ) المدعى عليه هو ( لفلان فإن ) كان قد ( حضر فلان ادعي ) بضم الدال مثقلة وكسر العين ( عليه ) أي انتقلت الدعوى عليه إن صدق الأول في أنه له ( فإن حلف ) فلان المقر له على نفي الدعوى لعدم البينة عليها أو انفراد شاهد وردت اليمين عليه ( فللمدعي تحليف المقر ) أنه ما أقر إلا بحق ، فإن حلف برئ ( وإن نكل ) المقر ( حلف ) المدعي أن المدعى به له لا للمقر له ( وغرم ) بفتحات مثقلا المدعي المقر ( ما ) أي الشيء المدعى به الذي ( فوته ) بفتحات مثقلا المقر على المدعي بإقراره به لمن لا يستحقه ، فإن كان مثليا غرم مثله ، وإن كان مقوما غرم قيمته . المازري لو قال هو لفلان وهو حاضر يصدقه سلم له المدعى فيه ، وتصير الخصومة بينه وبين المدعي وللمدعي إحلاف المقر أنه ما أقر إلا بحق إذ لو اعترف أنه أقر بالباطل ، وأن المقر به إنما هو لمدعيه لزمه الغرم لإتلافه حقه ، فإن حلف أنه ما أقر إلا بالصدق ، ولا حق فيه للمدعي سقط مقال المدعي ، فإن نكل عن اليمين فهاهنا اختلف الناس هل يستحق بيمينه غرامة المقر لإتلافه بإقراره وما أقر به أم لا ; لأنه لم يباشر الإتلاف ، وإذا توجهت الخصومة بين المدعي والمقر له وجبت اليمين على المقر له ، فإن نكل حلف المدعي وثبت حقه ، فإن نكل فلا شيء عليه وهل له تحليف المقر أم لا ؟ ابن عبد السلام ليس له ذلك . ابن عرفة نحوه قول عياض إذا اطلع بائع سلعة من وكيل على شرائها على زائف في الثمن فأحلف الآمر فنكل فوجبت اليمين [ ص: 567 ] للبائع فنكل فليس له أن يحلف المأمور ; لأن نكوله عن يمين الآمر نكول عن يمين المأمور .

وعطف على قوله حضر فقال ( أو غاب ) المقر له بما ادعاه المدعي غيبة بعيدة لا يعذر له فيها ( لزمه ) أي المقر ( يمين ) أنه ما أقر إلا بحق ( أو بينة ) على أن المقر به لفلان الغائب أودعه أو رهنه عنده ( و ) إن حلف أو أقام بينة على ذلك ( انتقلت الحكومة له ) أي الغائب فينتظر قدومه ( وإن نكل ) المقر ولم يأت ببينة على ذلك ( أخذه ) أي المدعي المدعى به ( بلا يمين وإن جاء المقر له فصدق المقر ) في إقراره أن المدعى به له ( أخذه ) أي المقر له المدعى به من المدعي بيمين لقوله وانتقلت الحكومة له ، وأما إن حلف المقر أو أقام بينة على أنه للغائب ، فقدم وصدق المقر فيأخذه بلا يمين وتنتقل الحكومة له . الحط وأما إذا كان المقر له غائبا فأشار إليه بقوله أو غاب ، والأحسن وإن غاب ، أي المقر له في التوضيح ، فإن غاب غيبة بعيدة فلا خلاف أنه لا يسلم لمدعيه بمجرد دعواه ، ولا خلاف أيضا أنه لا يقبل قول المدعى عليه مجردا عن يمين أو بينة ا هـ . فلذا قال هذا لزمه ، أي المقر يمين أو بينة أنه لفلان الغائب ، فإن أقام البينة فلا كلام أن الخصومة تنتقل بين المدعي والغائب كما قال ، وانتقلت الحكومة له ، أي الغائب وإن لم يقم البينة وأراد المدعي تحليف المقر ، فقال أشهب تلزمه اليمين كما قال المصنف ، فإن نكل المقر عن اليمين أخذه المدعي بلا يمين وإن جاء المقر له وصدق المقر أخذه ، وهذا نحو قول ابن الحاجب ، فإن جاء المقر له وصدق المقر أخذه ، فإن كان مرادهم إذا أقام المقر بينة أو حلف فواضح ، وإن كان مرادهم إذا نكل المقر عن اليمين وأخذه المدعي بلا يمين ، فالظاهر أن المقر له لا يأخذه إلا بعد يمينه والله أعلم . المازري لو أقر به لغائب لا يعذر إليه لبعد غيبته فلا يستحقه المدعي بذلك اتفاقا ، [ ص: 568 ]

فإن أراد تحليفه سئل فإن قال رجاء أن ينكل فأحلف وأغرمه قيمته جرى على ما قدمناه من الخلاف في توجه الغرم عليه بإقراره لغيره دون مباشرة إتلافه ، فمن أغرمه يحلفه ومن لا فلا ، وإن قال رجاء أن ينكل فأحلف واستحق نفس الثوب ، فذكر سحنون من ادعي عليه بدار في يده فقال هي لفلان الغائب ، فإن حلف بقيت الدار بيده ، وإن نكل أخذها المدعي دون يمين حتى يقدم الغائب فيأخذ بإقرار المقر . وذكر بعض أشياخي إسقاط اليمين عن المدعى عليه إن لم يدع عليه المدعي أنه أودعه السلعة أو رهنه إياها ; لأنه لا يلزمه الحلف لإثبات ملك غيره . ومن الناس من قال إن نكل عن اليمين حلف المدعي وأخذ المدعى فيه حتى يقدم الغائب فيخاصمه ، وكأنه رأى أن هذا صيانة لقاعدة الشرع ; لأنا لو منعنا المدعي من المدعى فيه ، ولا يحلف له المدعى عليه إلا فعل كل مدعى عليه ذلك بأن يضيف المدعى فيه لغائب .




الخدمات العلمية