الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                معلومات الكتاب

                الأشباه والنظائر على مذاهب أبي حنيفة النعمان

                ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                صفحة جزء
                [ ص: 369 ] القاعدة الخامسة تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة 1 - وقد صرحوا به في مواضع .

                منها في كتاب الصلح في مسألة صلح الإمام عن الظلة المبنية في طريق العامة ، وصرح به الإمام أبو يوسف رحمه الله في كتاب الخراج في مواضع ، وصرحوا في كتاب الجنايات 2 - : أن السلطان لا يصح عفوه عن قاتل من لا ولي له ، 3 - وإنما له القصاص ، والصلح 4 - ، وعلله في الإيضاح بأنه نصب ناظرا ، وليس من النظر للمستحق العفو ، وأصلها ما أخرجه سعيد بن منصور عن البراء قال : قال عمر رضي الله عنه : ( إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة ولي اليتيم إن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته فإن [ ص: 370 ] استغنيت استعففت ) .

                وذكر الإمام أبو يوسف رحمه الله في كتاب الخراج قال : بعث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عمار بن ياسر على الصلاة والحرب ، وبعث عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال ، وبعث عثمان بن حنيف على مساحة الأرضين ، وجعل بينهم شاة كل يوم في بيت المال ، شطرها ، وبطنها لعمار ، وربعها لعبد الله بن مسعود ، وربعها الآخر لعثمان بن حنيف : وقال إني أنزلت نفسي ، وإياكم من هذا المال بمنزلة ولي اليتيم فإن الله تبارك وتعالى قال : { ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } - والله ما أرى أرضا تؤخذ منها شاة في كل يوم إلا استسرع خرابها ( انتهى ) .

                6 - فعلى هذا لا يجوز له التفضيل [ ص: 371 ] ولكن قال في المحيط من كتاب الزكاة : والرأي إلى الإمام من تفضيل ، وتسوية من غير أن يميل في ذلك إلى هوى ، ولا يحل لهم إلا ما يكفيهم ، ويكفي أعوانهم بالمعروف ، وإن فضل من المال شيء بعد إيصال الحقوق إلى أربابها قسمه بين المسلمين ، وإن قصر في ذلك كان الله عليه حسيبا ( انتهى ) .

                وذكر الزيلعي من الخراج بعد أن ذكر أن أموال بيت المال أربعة أنواع قال : وعلى الإمام أن يجعل لكل نوع من هذه الأنواع بيتا يخصه ، ولا يخلط بعضه ببعض ; لأن لكل نوع حكما يختص به .

                إلى أن قال : ويجب على الإمام أن يتقي الله تعالى ويصرف إلى كل مستحق قدر حاجته من غير زيادة فإن قصر في ذلك كان الله عليه حسيبا ( انتهى ) .

                وفي كتاب الخراج لأبي يوسف رحمه الله أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قسم المال بين الناس بالسوية فجاء ناس ، فقالوا له : يا خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام إنك قسمت هذا المال فسويت به بين الناس ، ومن الناس إناس لهم فضل وسوابق وقدم فلو فضلت أهل السوابق والقدم ، والفضل لفضلهم ؟ فقال : أما ما ذكرتم من السوابق والقدم ، والفضل فما أعرفني بذلك ، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله تعالى وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة . فلما كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وجاء الفتوح فضل وقال : لا أجعل من قاتل مع غير رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كمن قاتل معه ; ففرض [ ص: 372 ] لأهل السوابق ، والقدم من المهاجرين ، والأنصار ممن شهد بدرا أو لم يشهد بدرا أربعة آلاف درهم ، وفرض لمن كان إسلامه كإسلام أهل بدر بدون ذلك ; أنزلهم على قدر منازلهم من السوابق ( انتهى ) .

                وفي القنية من باب ما يحل للمدرس ، والمتعلم : كان أبو بكر رضي الله عنه يسوي بين الناس في العطاء من بيت المال ، وكان عمر رضي الله عنه يعطيهم على قدر الحاجة والفقه ، والفضل ; والأخذ بما فعله عمر رضي الله عنه في زماننا أحسن فتعتبر الأمور الثلاثة ( انتهى )

                [ ص: 369 ]

                التالي السابق


                [ ص: 369 ] قوله : وقد صرحوا به في مواضع : أي بالقاعدة ، وذكر الضمير بتأويلها بالأصل .

                ( 2 ) قوله : إن السلطان لا يصح عفوه إلخ : لأن الحق للعامة ، والإمام نائب عنهم فيما هو أنظر لهم ، وليس من النظر إسقاط حقهم مجانا .

                ( 3 ) قوله : وإنما له القصاص ، والصلح : أي الدية ، والواو بمعنى أو كما هو ظاهر .

                قال شيخنا في حواشي الدرر ، والغرر : وهل إذا طلب الإمام الدية ينقلب القصاص مالا كما في الولي .

                ( 4 ) قوله : وعلله في الإيضاح بأنه نصب ناظرا .

                أي نصب ناظرا في أمور العامة في المصلحة ، ولهذا قالوا : لا يصح ، وقف أراضي بيت المال إلا لمصلحة عامة كما في منظومة ابن وهبان .

                [ ص: 370 ] قوله : والله ما أرى أرضا تؤخذ منها شاة في كل يوم إلا استسرع خرابها إلخ : في كتاب المسامرات ، والمحاضرات للشيخ محيي الدين بن عربي : أن بالعدل يكثر الخراج ، وينمو المال .

                روينا من حديث المالكي عن إبراهيم الخزاعي عن سليمان بن أبي شيخ عن صالح بن سليمان قال : قال عمر بن عبد العزيز : لو جاءت كل أمة بفاسقها ، وجئنا بالحجاج لغلبناهم ، وما كان يصلح لدنيا ، ولا آخرة ، لقد ولي العراق ، وهي أوفر ما تكون من العمارة فأخربها حتى صار خراجها أربعين ألف ألف ، وقد أدى إلى عاملي هذا ثمانين ألف ألف ، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدوا إلي ما أدوا إلى عمر بن الخطاب : مائة ألف ألف ، وفي مقدمة تاريخ خلدون مثله .

                ( 6 ) قوله : فعلى هذا لا يجوز له التفضيل .

                في تفريقه على ما ذكره أبو يوسف نظر ظاهر .

                [ ص: 371 ] قوله : ولكن قال في المحيط : استدراك على التفريع لو صح




                الخدمات العلمية