الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

استثمر ولدك ولا تستثمر له

السؤال

السلام عليكم..

أنا مهندسة أعمل بدوام كامل، لدي طفل عمره ثلاث سنوات، تفرغت لتربيته أول سنتين ثم عدت للعمل بالتدريج حتى انتظمت بدوام كامل، ومشكلتي تتكون من شقين: تأنيب الضمير المستمر لتركي ابني فترات طويلة يحتاجني فيها؛ لأنه كثير الحركة ومشتت، وأصبح الآن عنيفا في الحضانة.

والمشكلة الثانية مادية؛ لأن عملي يوفر لأسرتي الرعاية الطبية والدخل المناسب ويسمح ببعض التوفير، فزوجي عليه ديون كثيرة، وليس عندنا سكن أو بيت في بلدي، ودون عملي لن نوفر أبداً، وأحياناً لا يكفي مرتب زوجي؛ لأن راتبه غير منتظم.

علماً بأني أريد أن أنجب طفلاً آخر لكن ظروف السوق الحالية جعلتني مترددة، وأخاف أن يفصل زوجي أو نفصل من العمل سويا فلا نجد الدخل أو المأوى في بلدنا، ودائماً أستخير ربي، وكلام العقل والمنطق يتعارض مع مشاعر الأمومة لدي، فانصحوني.

بارك الله فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم كريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك استشارات إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يفرج كربتك، وأن يقضي حاجتك، وأن يشرح صدرك للذي هو خير، وأن يوفقك لطاعته ورضاه، وأن يعينك على تربية ابنك تربية طيبة مباركة.

وبخصوص ما ورد برسالتك، فإن علماء التربية يقولون: (استثمر في ولدك ولا تستثمر له)، فلو أننا جعلنا أبناءنا مشروعاً استثمارياً ووفرنا لهم كل عوامل النجاح لكنا ناجحين بمعنى الكلمة، فأنت مهندسة ولابد أن يكون ابنك في مستواك أو قريباً منه، وعندما يخرج ولدك بهذه العقلية وتلك النفسية الصعبة ستشعرين بأن كل مشاريعك التي أنشأتها على الورق أو كنت تتخيلن حدوثها قد ذهبت أدراج الرياح؛ لأن أبناء العاملين والعاملات غالباً ما يصابون بنوع من الانفصام في الشخصية وحدة في الطبع وسوء في السلوك وعدم القدرة على وزن الأمور بطريقة صحيحة، مما يترتب عليه أن يتحطم قلب الأب وقلب الأم نتيجة تلك التصرفات التي تأتيهم وهم كبار طاعنين في السن وأبناؤهم شباب ضائعون لا يستطيعون أن يقدموا لهم أي عون، وحتى إن نصحوهم لن يقبلوا منهم.

وإن ضرورة الاهتمام بولدك لابد أن تكون فوق ضرورة الاهتمام بعملك، وفوق مسألة الظروف المادية التي تتكلمين عنها، والحل يكمن في أن تجزئي الدوام وأن تجتهدي في ذلك، نصف دوام كدوام الصباح مثلاً يكفي ثم بعد ذلك تعودي إلى بيتك لتربية ولدك على الأقل نصف اليوم، يأخذ منك وتأخذين منه، ويتعلم منك وتصوبين أخطاءه، وتتعلمين منه لإخوانه الذين سيأتون في المستقبل.

وأما فكرة إنجاب طفل آخر فإن كل مولود يأتي برزقه، وأنت تتكلمين عن واقع مادي وكأنك لست مؤمنة بالله جل جلاله وبوعده الذي قطعه على نفسه، ألم يقل مولانا جل جلاله سبحانه: (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ))[هود:6]! ألم يقل مولانا سبحانه وتعالى: (( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ))[الذاريات:58]! ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم بأن الطفل إذا وصل إلى مائة وعشرين يوماً نزل الملَك فنفخ فيه الروح وكتب في كتاب معلق في عنقه: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد؟

فلا تفكري في الأرزاق بهذه الصورة، لأنها لا تحسب كما لو كانت معادلة رياضية حسابية، وإنما كل من خرج لهذه الحياة خرج ورزقه معه، ورزقه سوف يضاف إلى رزقكم قطعاً، ولعل ظروفكم هذه المتعثرة نوعاً ما تستقر.

فأقترح عليك أن تجزئي الدوام إلى نصفين حتى لا تفقدي ولدك، ولتفتحي الطريق أمام مولود آخر جديد ليكون أنيساً لأخيه، وليتعلم منه أيضاً؛ لأن فارق السن الكبير يجعل هذا كما لو كان ولداً لذاك، وتكون بينهما مشاكل، وعدم التوافق بينهما يُحدث خللاً في التربية، وأما عندما يكونا متقاربين في السن فإنه يُحدث نوعاً من الأنس.

وأما كونكم في بلادكم ليس لكم مأوى فأنتم لستم وحدكم تعانون من هذه المشكلة، بل هناك من يعاني أكثر من ذلك، ولكن الله ييسر ويعين.

والعيش على الكفاف مع إخراج جيل متميز أفضل من العيش في رغد ينتج عنه جيل صاحب علاقات ذهنية وإعاقات سلوكية، ويكونون خطراً عليكما قبل أن يكونوا خطرا على المجتمع كله، فلا تحملي هم المستقبل فإنه بيد الله، وإن الله لن يسألك صلاة الغد ولا عن صيامه ولا عن ذكره ولا عن قرآنه، فلمَ تسألين الله تبارك وتعالى عن رزق يومٍ أنت لم تعيشي فيه، ولا تدري هل سيطول بك الأمد إلى هذا اليوم أم لا، وأنت الآن بفضل الله مستورة وأمورك مستقرة ولله الحمد، فهذا هو المطلوب فقط، وأما الغد فهو في يد الله سبحانه وتعالى ولن يضيعنا الله ما دمنا أحياء.

نسأل الله أن يوفقك لاتخاذ القرار المناسب، وأن يعينك على التأقلم والموائمة بين ظروف العمل وظروف تربية ولدك واستقبال مولود جديد، كما نسأله تعالى أن يوسع رزقك ورزق زوجك، وأن يعينه على عمل منتظم يدر دخلاً عليكما يكفيكما ولا تكونين في حاجة للعمل أصلاً.

وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً