الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وصايا للتغلب على همزات الشيطان وتقنيط العبد من رحمة الله

السؤال

أنا إنسانة نشيطة وأقوم بالأعمال المنزلية جيدا وغالبا أهتم بالعائلة ومساعدة الحزين وقلبي طيب وحنون وكل الذين حولي يحببونني لكن في فترات مفاجئة أحس بالاكتئاب والحزن وأتوقف على نشاطاتي وهناك أترك كل شيء وأفكر في لحظات ارتكبت فيها أكبر المعاصي على أني إنسانة أقوم بالصلاة والذكر إلا أنه عندما أخطئ أرى نفسي في جهنم ومن هنا أخاف الموت وعقاب ربي ومن هنا يأتي اليأس ولا أريد الموت حتى لا ألقى ربي وأنا متسخة أبكي وأطلب التوبة فلا أفارق فراشي ولا أريد أن أبتسم وتأتيني كل أفكار سلبية أن يوم بعثي هو يوم حساب أكبر المعاصي ارتكبتها وبهذا تؤنبني نفسي فأفقد القدرة على الطعام وحتى أرتعش بالليل وأهمل كل شيء حتى القدرة على أن أهتم بأولادي ولا أرى إلا يوم عقابي وهو يوم بعثي أريد أن أتخلص من هذه الوساوس والأوهام ليس بأخذ الدواء لكن بالذكر والقرآن وأن أقوي إيماني لا أريد أن أذهب عند الله وأنا ضعيفة الإيمان ربما يكون سحرا أو أرواح مؤثرة علي أو فقط هواجس فأنا في بلد الغربة وأعرف أن مصارعة الارواح هنا غير موجودة فهل بإمكاني التغلب عليها وحدي أو شيء ممكن فعله بالذكر وقراءة القرآن
أنا أخاف الله كثيرا لم أكن يومها اقتنعت بالصلاة وبعدها ازداد الخوف وبدأت بالأذكار ومرة ثانية الآن يشدني الخوف إني لست محتجبة وها أنا أفكر في الحجاب وهذا خوفا من الله لكن مازلت أخاف من نظرة الناس غير المسلمين إلي هنا لكن أنا أود لبس الحجاب لآني أحبه أريد أن أطور إيماني لكن دائما هناك إحباط واكتئاب
والله إني خائفة يوم بعثي وما من ذنوب أحملها أعجز عن قولها لكن أريد حقا أن أكفر عن ذنوبي وأرضي ربي وأن يقيني من شر نفسي ومن هذا الاكتئاب الشديد الذي يخنقنني حتى أرى أنفاسي تموت وغير قادرة على شيء
لكن عندما أتذكر قوله ولا تقنطوا من رحمة الله وورحمتي وسعت كل شيء وأن الله يغفر الذنوب جميعها أرتاح لكن عندما أتذكر المعاصي هنا أختنق موتا وكأني أقتل نفسي وتأتيني فكرة أني ميتة وأفكار غير جيدة وغير منطقية والله أريد أن أتوب وأن أكون عبدة صالحة راضية وأن لاأ خيب يوم لقائه ساعدوني هل سيغفر لي ربي هل ممكن أن أرضيه وكيف أكفر عن أكبر ذنوبي ومعاصي؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن خوف الإنسان من ذنوبه ومن عقوباتها وما تؤول إليه من خزي الدنيا وعذاب الآخرة لمن علامات الإيمان وأمارات الإحسان. جاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار.

فأبشري – أيتها السائلة – بخوفك من ربك ومن مقامه وحسابه فهذا أمارة من أمارات الخير وإقبال الله تعالى على العبد، لكنا في الوقت نفسه نحذرك أشد التحذير من خروج الأمر عن حده لينقلب إلى صورة من صور اليأس والقنوط والإحباط، فإن هذا باب من أبواب الشيطان ليفسد على الشخص حاله وليقعده عن طاعة ربه, فيأتي له ليذكره بذنوبه ويسرد عليه غدراته وفجراته, ويقنطه من رحمة ربه ويقول له: متى يغفر الله لك وأنت الذي صنعت وصنعت, كل ذلك ليحزنه وليصرفه عن عبادة ربه، وليملأ قلبه بالوساوس والأوهام الباطلة , حتى ييأس من رحمة أرحم الراحمين , واليأس من رحمة الله صفة الكافرين والعياذ بالله. قال سبحانه: وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ {يوسف:87} وقال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {العنكبوت:23}.

فإذا أحس المرء ذلك من نفسه فليبادر إلى الالتجاء بالله سبحانه, والاستعاذة به من الشيطان ومن نزغه وهمزه ونفخه ونفثه , وليذكر سعة رحمة الله سبحانه, وأنه سبحانه هو الغفور الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء, وهو سبحانه قد كتب كتابا فهو عنده فوق العرش أن رحمته سبقت غضبه, جاء في الحديث القدسي : قال الله تعالى : يا ابن آدم ! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم ! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم ! لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة. رواه الترمذي وغيره وحسنه الألباني.

واعلمي أن من أعظم أسباب علاج الوساوس والأوهام بعد الدعاء واللجوء إلى الله سبحانه، إنما هو الإعراض عنها وعدم الاسترسال معها، ثم الاشتغال بعد ذلك بما يفيد وينفع من أمور الدين والدنيا, ونوصيك بالوصايا التالية للتغلب على همزات الشيطان ووساوسه:

1- الإلحاح على الله سبحانه في الدعاء فإن الله سبحانه يحب الملحين في الدعاء, والدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب, وقد وعد الله سبحانه باستجابته فقال: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ {غافر:60}

2- كثرة ذكر الله سبحانه، فإن ذكر الله سبحانه مطردة للشيطان, خصوصا قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير. في اليوم مائة مرة. فقد جاء في الحديث المتفق عليه من قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد وهو على كل شيء قدير. في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك.

3- الحرص على صلاة الفجر في وقتها فمن صلى الفجر فى وقتها فهو في ذمة الله، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء. رواه مسلم, قيل الذمة معناها : الضمان وقيل :الأمان.

4- التوكل على الله – جل وعلا – فإن الشيطان لا سلطان له البتة على المتوكلين, قال سبحانه عن الشيطان : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون .{النحل:99}

5- التوبة إلى الله سبحانه , فإن الذنوب هي سبب المصائب، وبذنوب العبد يسلط عليه أعداؤه من الإنس والجن.

وفي النهاية ننبهك على أن الحجاب الشرعي فريضة محكمة من الله رب العالمين، لا يسع المسلمة تركها بحال, فبادري رحمك الله إلى الحجاب, ودعي عنك الناس ونظراتهم وأقاويلهم وآرائهم فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا , واعلمي أن التبرج وإظهار الزينة أمام الأجانب كبيرة من أعظم الكبائر , وقد تكون هي السبب فيما أنت فيه من البلاء والغم, بل وقد تكون - والعياذ بالله - سببا في حبوط جميع أعمالك الصالحة. قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ {محمد:33}

جاء في تفسير القرطبي: ولا تبطلوا أعمالكم أي حسناتكم بالمعاصي، قاله الحسن, وقال الزهري: بالكبائر. ثم قال القرطبي رحمه الله: وعن أبي العالية: كانوا يرون أنه لا يضر مع الاسلام ذنب، حتى نزلت هذه الآية فخافوا الكبائر أن تحبط الاعمال, وقال مقاتل: يقول الله تعالى: إذا عصيتم الرسول فقد أبطلتم أعمالكم. انتهى

وللفائدة تراجع الفتاوى رقم: 2969، 23472، 71116 ، 23472، 5561.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني