الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيفية التوفيق بين الحلم وكظم الغيظ وبين عدم ضياع الحقوق والهيبة

السؤال

لدي سؤال حول حسن خلق المسلم, وقوة الشخصية.
فإنني أحاول وأجتهد كي أكون حسن الخلق, وأحاول الابتعاد عن كثير من الصفات السيئة التي كنت أتصف بها سابقا, فأحاول أن أترك الخصومة فوق ثلاث ليال، فأبادر بالسلام, وتركت المنَّ على من أحسنت إليهم بنفقة أو مساعدة, وأقوم بالتيسير لمن استدان مني، فلا أقوم بسؤاله إلا في فترات متباعدة جدا, والكثير من الأشياء الأخرى. ولكني لاحظت أن البعض يعتبر هذا الأمر ضعفا في شخصيتي، ويحاول أكل حقي أو التقليل من شأني واحترامي, خاصة أننا في مجتمع لا قوة تعلو على قوة اللسان والصراخ, فبها يهابك الناس هنا.
لقد مر بي موقفان ولا أدري كيف أتصرف فيهما:
أولهما مع أخي الأصغر (عاقل, بالغ) الذي أقوم بالإنفاق عليه في بعض الأحيان, فعندما يكون محتاجا إلى مبلغ من المال يأتي إلي متواضعا منكسرا، ويتحدث باحترام ولباقة, وبعد أن يقضي حاجته بيوم أو يومين, يمر بي أحيانا دون أن يلقي السلام, وقد يتحدث فيعلو صوته علي, ويقوم ببعض التصرفات أفسرها على أنها قلة احترام, وهو من النوع الذي لا يقبل النصح، ويعتبر أنه لا سلطة لي عليه. فأغضب غضبا شديدا وأكتمه في نفسي. أنا أعلم أن الله تعالى يدعو إلى العفو وكظم الغيظ, ولكنني في بعض الأحيان ومن شدة غضبي مع كتمه أحس بألم في قلبي, ولا أستطيع التركيز في صلاة أو صلاتين, ويظل الموضوع دائرا في رأسي، محدثا به نفسي حتى أحس أنني كالمجنون, وفي نظري أن الطريقة الوحيدة لجعله يرعوي هي التلويح له بأنني لن أنفق عليه مرة أخرى, ولكنني أخاف أن أدخل في دائرة المنّ مرة أخرى, وأكون كالمتجبر المستكبر الذي نسي عطاء الله وفضله عليه ليمن على خلقه. فما العمل؟
الموقف الآخر: أن هناك شخصا أحس أنه يماطلني في سداد ما عليه, برغم تيسيرى عليه في كثير من الأحيان.
فما العمل, هل أستشيط فيه مطالبا بحقي على أن يتحمل ما يخرج مني في تلك اللحظة؟
كيف يوفق الإنسان بين الحلم, وبين ضياع الحقوق والهيبة؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنبشرك أيها الأخ الكريم بأنك على خير وهدى، ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا وإياك إلى نيل الدرجات الرفيعة في الدين والدنيا والوصول إلى مقامات العارفين.
واعلم أن أفعالك المذكورة من كظم الغيظ، ومقابلة السيئة بالحسنة، والإحسان إلى الغير، لهي من أوصاف عباد الله المتقين الذين قال الله تعالى فيهم: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ {آل عمران:134}. وكما قيل: إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر أين أقامك.
فطالما أنك تفعل الخير تبتغي به وجه الله عز وجل، فاحمد الله تعالى أن وفقك إلى ذلك، واسأله سبحانه أن يثبتك عليه ويزيدك منه، فهذا ليس ضعفا في الشخصية، بل ضعف الشخصية أن يتأثر الإنسان بغيره في الأخلاق السيئة، ويكون إمعة إن أساء الناس أساء. فلا تلتفت إلى تلك الهواجس.
والحلم لا يتعارض مع حفاظ الإنسان على حقوقه وكرامته. ويمكنك المطالبة بحقك من المماطل بأسلوب مناسب من غير أن يصل إلى التفحش في القول. وكذلك إن رأيت التلويح بالامتناع عن إعطاء أخيك الأصغر حتى يتأدب فلا حرج، ولا يكون ذلك منّا محرما، طالما أنه يقابل الإحسان بالإساءة. وانظر الفتوى رقم: 21126، مع أننا نحثك على لزوم المرتبة العالية من صفات المتقين وعدم النزول إلى ما هو دونها وإن كان جائزا. وراجع للفائدة الفتوى رقم: 108871.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني