الآداب والرقائق

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ( ابن قيم الجوزية)

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1416 / 1996م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

مسألة: الجزء الثاني
فصل

وجرت عادة القوم : أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، حين أراه ما أراه : ما زاغ البصر وما طغى و أبو القاسم القشيري صدر باب الأدب بهذه الآية . وكذلك غيره .

وكأنهم نظروا إلى قول من قال من أهل التفسير : إن هذا وصف لأدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام . إذ لم يلتفت جانبا . ولا تجاوز ما رآه . وهذا كمال الأدب . والإخلال به : أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله ، أو يتطلع أمام المنظور . فالالتفات زيغ . والتطلع إلى ما أمام المنظور : طغيان ومجاوزة . فكمال إقبال الناظر على المنظور : أن لا يصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة . ولا يتجاوزه .

هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه .

وفي هذه الآية أسرار عجيبة . وهي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر صلى الله عليه وسلم : تواطأ هناك بصره وبصيرته . وتوافقا وتصادقا فيما شاهده بصره . فالبصيرة مواطئة له . وما شاهدته بصيرته فهو أيضا حق مشهود بالبصر . فتواطأ في حقه مشهد البصر والبصيرة .

[ ص: 362 ] ولهذا قال سبحانه وتعالى : ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى أي ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره .

ولهذا قرأها أبو جعفر : ما كذب الفؤاد ما رأى - بتشديد الذال - أي لم يكذب الفؤاد البصر . بل صدقه وواطأه . لصحة الفؤاد والبصر . أو استقامة البصيرة والبصر . وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقا . وقرأ الجمهور ما كذب الفؤاد بالتخفيف . وهو متعد . و : ما رأى مفعوله : أي ما كذب قلبه ما رأته عيناه . بل واطأه ووافقه . فلمواطأة قلبه لقالبه ، وظاهره لباطنه . وبصره لبصيرته : لم يكذب الفؤاد البصر . ولم يتجاوز البصر حده فيطغى . ولم يمل عن المرئي فيزيغ ، بل اعتدل البصر نحو المرئي . ما جاوزه ولا مال عنه ، كما اعتدل القلب في الإقبال على الله ، والإعراض عما سواه . فإنه أقبل على الله بكليته . وللقلب زيغ وطغيان . وكلاهما منتف عن قلبه وبصره . فلم يزغ قلبه التفاتا عن الله إلى غيره . ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه .

وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه .

فإن عادة النفوس ، إذا أقيمت في مقام عال رفيع : أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه . ألا ترى أن موسى - صلى الله عليه وسلم - لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة : طلبت نفسه الرؤية ؟ ونبينا صلى الله عليه وسلم لما أقيم في ذلك المقام ، وفاه حقه : فلم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه ألبتة ؟

ولأجل هذا ما عاقه عائق . ولا وقف به مراد ، حتى جاوز السماوات السبع حتى عاتب موسى ربه فيه . وقال : يقول بنو إسرائيل : إني كريم الخلق على الله . وهذا قد جاوزني وخلفني علوا . فلو أنه وحده ؟ ولكن معه كل أمته . وفي رواية البخاري فلما جاوزته بكى . قيل : ما يبكيك ؟ قال : أبكي أن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي . ثم جاوزه علوا فلم تعقه إرادة . ولم تقف به دون كمال العبودية همة .

[ ص: 363 ] ولهذا كان مركوبه في مسراه يسبق خطوه الطرف . فيضع قدمه عند منتهى طرفه ، مشاكلا لحال راكبه ، وبعد شأوه ، الذي سبق العالم أجمع في سيره ، فكان قدم البراق لا يختلف عن موضع نظره . كما كان قدمه صلى الله عليه وسلم لا يتأخر عن محل معرفته .

فلم يزل صلى الله عليه وسلم في حفارة كمال أدبه مع الله سبحانه ، وتكميل مراتب عبوديته له ، حتى خرق حجب السماوات ، وجاوز السبع الطباق . وجاوز سدرة المنتهى . ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين . فانصبت إليه هناك أقسام القرب انصبابا . وانقشعت عنه سحائب الحجب ظاهرا وباطنا حجابا حجابا . وأقيم مقاما غبطه به الأنبياء والمرسلون . فإذا كان في المعاد أقيم مقاما من القرب ثانيا ، يغبطه به الأولون والآخرون . واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله ، ما زاغ البصر عنه وما طغى . فأقامه في هذا العالم على أقوم صراط من الحق والهدى . وأقسم بكلامه على ذلك في الذكر الحكيم ، فقال تعالى : يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط يسأله السلامة لأتباعه وأهل سنته ، حتى يجوزوه إلى جنات النعيم . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . والله ذو الفضل العظيم .

السابق

|

| من 1

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة