الصحابة الكرام رضوان الله عليهم هم أصحاب القرن الفاضل من هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم: (خيرُ النَّاس قَرني، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم) رواه البخاري. وقد أتى مِن بعد الصحابة عباد ربانيون، ومؤمنون وصالحون، فلا يخلو زمان ولا مكان من الصالحين رغم بُعدِ الزمان، وهؤلاء أحبهم النبي صلى الله عليه وسلم، واعتبرهم إخواناً له، واشتاق لرؤيتهم، وتمنى لقاءهم، وبشرّهم بأنه سيسبقهم إلى حوضه وينتظرهم هناك ليسقيَهم منه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة, فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ودِدْتُ أنِّي قد رأيْتُ إخواننا، فقالوا: يا رسول الله, ألسنا بإخوانك؟ قال:بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فَرَطُهُم (متقدمهم) على الحوض) رواه مسلم.
قال النووي: "قال العلماء: في هذا الحديث جواز التمني لا سيما في الخير ولقاء الفضلاء وأهل الصلاح، والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (وددت أنا قد رأينا إخواننا) أي: رأيناهم في الحياة الدنيا، قال القاضي عياض: وقيل المراد تمني لقائهم بعد الموت". فإذا كان هذا حب واشتياق نبينا صلوات الله وسلامه عليه لنا ـ كأفراد وأمة ـ، فأين نحن من حبنا واشتياقنا له صلوات الله وسلامه عليه؟!.
حب الصحابة واشتياقهم للنبي صلى الله عليه وسلم :
أحبَّ الصحابة رضوان الله عليهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم حبّاً لم يُعْرَف مثله لأحدٍ في التاريخ كله، قال علي رضي الله عنه: (كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ)، وعن عائشة رضي الله عنه قالت: (جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنك لأحبّ إليَّ من نفسي، وإنك لَأحبّ إليَّ من أهلي، وأحبّ إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيكَ فأنظر إليك، وإذا ذكرتُ مَوتي وموتَك عرفتُ أنك إذا دخلتَ الجنَّةَ رُفِعتَ مع النَّبيِّين، وإني إذا دخلتُ الجنَّةَ خشيتُ أن لا أراك، فلم يردَّ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريلُ عليه السلام بهذه الآية: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}(النساء:69)) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" وصححه الألباني. وقال البغوي في "معالم التنزيل في تفسير القرآن": "نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغيَّر لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ما غيَّر لونك؟ فقال: يا رسول الله، ما بي مرض ولا وجع، غير أنّي إذا لم أرك استوحشتُ وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرْتُ الآخرة فأخاف أني لا أراك، لأنك تُرفَع مع النبيين، وإني إن دخلتُ الجنة في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية".
الشوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورؤيته :
من دلائل وعلامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم: الاشتياق إليه، وتمني رؤيته والجلوس معه، ولو كان ذلك مقابل بذل المال والأهل، قال ابن حجر في "فتح الباري": "ومن علامة الحب المذكور (أي حب النبي صلى الله عليه وسلم) أن يُعْرَض على المرء أن لو خُيِّرَ بين فقْد غرض من أغراضه، أو فقْد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كانت ممكنة ـ فإن كان فقدها ـ أن لو كانت ممكنة ـ أشد عليه مِن فقد شيء من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة ومن لا، فلا، وليس ذلك محصوراً في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب (الدفاع) عن شريعته وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وقال القرطبي: كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوْفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى.. لكن الكثير منهم إذا ذُكِرَ النبي صلى الله عليه وسلم اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده".
وقد جاءت أحاديث نبوية كثيرة تدل على أن الشوق إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم من دلائل محبته، ومن هذه الأحاديث :
ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مِن أشدِّ أمَّتي لي حبًّا، ناسٌ يَكونون بَعدي، يودُّ أحدُهُم لوْ رآني بأهله ومالِه) رواه مسلم. قال الصنعاني: "(مِنْ أشد أمتي لي حبا) وهو دليل بيان الإيمان به في قلوبهم، (ناس يكونون بعدي) بعد وفاتى، (يود) يحب، (أحدهم لو رآني بأهله وماله) أي بإعطاء ذلك في مقابلة الشرف برؤيته".
ـ عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أشدُّ أُمَّتِي لي حُبّاً قوم يكونون بعدي، يَوَدُّ أحدُهم أنَّه فقدَ أهلَه ومالَه وأنَّه رآني) رواه أحمد وصححه الألباني. قال المناوي: "أي يتمنى أحدهم ان يكون مفديا لي بأهله لو اتفق رؤيتهم اياي ووصولهم اليَّ".
ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ أُناساً من أُمَّتِي يأتُونَ بعدي، يَوَدُّ أحدُهمْ لوِ اشْتَرَى رُؤيتي بأهله ومالِه) رواه الحاكم وصححه الألباني. قال ابن هبيرة الشيباني في "الإفصاح عن معاني الصحاح": "في هذا الحديث من الفقه: أن المؤمنين من أمته إذا ذُكِرَ لهم عنه صلى الله عليه وسلم ما كان من مقاماته ومواطن الحروب التي اشتدت، وضيق العيش الذي أصابه صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك، مما يود كل مؤمن أنه لو كان قد رآه ففاز بالنصر له في الحرب، والمواساة في الشدة، أو السؤال له عما يختلج في صدره من المسائل، أو التعلم منه، أو التبرك برؤيته، إلى غير ذلك، مما فاز به أصحابه دون غيرهم، فكل واحد من المؤمنين يود لو رآه، فلا يبقى له أهل ولا مال، فيؤثر رؤيته على ذلك لقوة إيمانه".
مَنْ أحبَّ شيئاً ظهرت آثار وعلامات محبته عليه، وإلا فلا يكون صادقاً في حبه، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم لها دلائل وعلامات كثيرة، منها: طاعته واتباعه، وتوقيره والأدب معه، والتمسك بسنته والدعوة إليها، والاقتداء به، وكثرة الصلاة عليه.. قال القاضي عياض: "اعلم أن مَنْ أحب شيئاً آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقاً في حبه، وكان مدّعياً، فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قول الله تعالى :{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(آل عمران:31)".
ومن دلائل وعلامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم: الشوق والحنين إليه، وتمني لقاءه ورؤيته، فقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أنه سيأتي بعده من أمته محبون له، مشتاقون إليه، ومن شدة حبهم وشوقهم له لا ُيبالون لو أنفقوا أموالهم وافتَدَوْا بأهلهم مقابل رؤيتهم له، فهو القائل صلى الله عليه وسلم: (أشدُّ أُمَّتِي لي حُبّاً قوم يكونون بعدي، يَوَدُّ أحدُهم أنَّه فقدَ أهلَه ومالَه وأنَّه رآني). ومن المعلوم والصحيح من السيرة النبوية أن جذع الشجرة الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة حنَّ واشتاق إليه لما تركه، ولذلك كان الحسن البصري يقول: "يا معشر المسلمين الخشبة تحنُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً إليه، أفليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه؟!" وقال المطلب بن أبي وداعة رضي الله عنه: "لا تلوموه ـ أي: الجذع ـ، فإن رسول الله لم يفارق شيئًا إلا وجَدَ (حزن) عليه".
والجذعُ يُسمعُ بالحنين أنينُه وبكاؤُه شوقاً إلى لُقياكا
فإذا كان هذا حب واشتياق الجماد للنبي صلى الله عليه وسلم، فأين نحن من حبنا واشتياقنا له ولرؤيته صلوات الله وسلامه عليه.
حنَّ جذع إليك وهو جماد فعجيب أن يجْمَدَ الأحياءُ
المقالات

