الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب (علوم القرآن في المنظور الحداثي)

كتاب (علوم القرآن في المنظور الحداثي)

كتاب (علوم القرآن في المنظور الحداثي)

كان القرآن الكريم -ولا يزال- قِبلة المسلمين، ومنار المؤمنين، ينهلون من معين هداياته، ويتحلون بفضائله، ويمتثلون لأحكامه. وعبر تارخ الإسلام ظهرت علوم للقرآن، هدفت إلى إبراز ربانيته، وضبطت عملية تفسيره، وبيَّنت المنهج للوقوف على المراد منه، فكان لزاماً على كل ناظر في القرآن تعلم تلك العلوم؛ إذ هي السبيل للتعامل مع كتاب الله تعالى قراءة، وتدبراً، وفهماً، واستنباطاً.

غير أن الاهتمام بعلوم القرآن لم يكن قاصراً على المسلمين فحسب، بل كان للمستشرقين نصيب وافر في البحث فيها، فخلَّفوا في هذا الجانب تراثاً ضخماً بفعل الاحتلال الذي شهدته البلدان الإسلامية. وقد تأثر بذلك النِّتاج الغربي عدد من الباحثين العرب والمسلمين، فنجم عن ذلك اختلاف في كيفية دراسة الموضوعات الإسلامية بصفة عامة، والمتعلقة بالقرآن الكريم بصفة خاصة.

وقد انبرى بعض العلماء والباحثين للرد أو التنبيه على ما تضمنته مؤلفات الفكر الحداثي العربي، مما يخالف بعض القضايا التي كانت تلقتها الأمة الإسلامية على أنها من المسلَّمات، ومن هذه الكتب الذي بحثت آراء الحداثيين العرب في قضايا علوم القرآن كتاب (علوم القرآن في المنظور الحداثي: دراسة تحليلية نقدية) للأستاذ الباحث: أحمد بوعود، وأصل الكتاب دراسة علمية نال بها الباحث شهادة الدكتوراه.

هدف البحث

بين الباحث دوافع كتابه بقوله: "مع عصر النهضة العربية والإسلامية، وبعد أن دخلت الحداثة بلاد المسلمين، بدأت تظهر أسئلة جوهرية بخصوص التراث الإسلامي، ومنه علوم القرآن، من قبيل: هل يناسب تراثنا تطلعات الحداثة؟ كيف نتعامل مع القرآن في زمن الحداثة؟ من هنا، بدأ الفكر الحداثي يتناول التراث بدافع التحديث؛ إما رفضاً، وإما تعديلاً وتنقيحاً. غير أن تناول مجال علوم القرآن بالأسئلة نفسها يشكل خطورة كبيرة؛ لاتصاله بكتاب الله، وبأصل الدين؛ لذا كان الاقتراب من علوم القرآن محفوفاً بالمخاطر، ومع ذلك فقد تناول الحداثيون علوم القرآن -ومن خلالها القرآن الكريم- بالدراسة والتحليل والنقد، مستخدمين أدوات غير الأدوات التي عرفها المسلمون، إنها أدوات اخترعتها الحداثة الغربية. وهذا البحث دراسة لأهم قضايا علوم القرآن كما يتناولها الحداثيون، دراسة علمية تَرُدُّ المشكلات المثارة إلى أصولها الفكرية والمعرفية".

منهج البحث

إن البحوث التي درست آراء الحداثين في القرآن وعلومه كثيرة، غير أن الباحث تناول دراسات الحداثيين بمنهج نقدي يَعِزُّ وجوده في الدراسات الشرعية، كما أنه درس أبحاثهم في إطارها الكلي؛ بحيث لم يكن غرضه -أثناء دراسة علوم القرآن- البحث عن القول الصائب فيها، بقدر ما كان غرضه البحث عن المشترك بين هؤلاء الحداثيين، وما هي الزاوية التي ينظرون بها ومن خلالها إلى علوم القرآن.

محتويات الكتاب

احتوى الكتاب على مقدمة، وبابين، وخاتمة؛ ذكر الباحث في المقدمة دوافع البحث، والمنهج المتبع، والخطة المقترحة للبحث، والصعوبات التي واجهته.

الباب الأول جاء بعنوان (المرتكزات الحداثية في دراسة علوم القرآن) أي: الأصول المعرفية والفكرية التي يستند إليها الفكر الحداثي، متضمناً ثلاثة فصول: الأول: عن الفكر الحداثي من حيث النشأة والانتشار. الثاني: عن الدراسات الاستشراقية؛ مُبْرزاً مدى اهتمام المستشرقين بالقرآن الكريم، وماهية القضايا التي بحثوها. الثالث: عن تراث علوم القرآن عند المسلمين.

الباب الثاني كان بعنوان (قضايا علوم القرآن في المنظور الحداثي: تحليل ونقد) وقد تضمن أربعة فصول؛ الأول: الظاهرة القرآنية ومناهج دراستها في المنظور الحداثي. تناول فيه مصطلح (الظاهرة القرآنية) مبيناً سبب التسمية، والآثار المترتبة عن ذلك، مع عَرْض مناهج التيار الحداثي في دراسة الظاهرة القرآنية. الثاني: كمال القرآن: تحدث فيه عن كل ما له صلة بكمال القرآن، كأصل القرآن، ومصدره، وأمُّيَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وإعجاز القرآن. الثالث: جمع القرآن: عَرَض فيه للطعون التي يوجهها التيار الحداثي لظروف جمع القرآن، ونَقَدَ الشبهات التي يوجهونها إليه. الرابع: تاريخية القرآن: بيَّن دلالة هذا المفهوم، ورَبْط الحداثيين له بأسباب النزول.

الإشكالات التي قام عليها الكتاب

سعى الباحث إلى الإجابة عن عدد من الإشكالات التي بنى عليها دراسته، وجاءت تلك الإشكالات وفق التالي:

- المنطلقات والمعايير التي كان يستند إليها الفكر الحداثي العربي وتقود تصوره؛ لاستخلاص نتائج بحثه، وهو ما عبر عنه الباحث بـ (الأصول الفكرية والمعرفية).

- مصادر استقاء الفكر الحداثي مادته، ونوعية الأطاريح والموضوعات التي تضمنتها تلك المصادر.

- علة اختياره لمعالجة هذه القضايا -تحديداً- دون غيرها، ومدى توافقها أو اختلافها مع آراء المستشرقين.

وقد كانت هذه الإشكالات مدار البحث، خصوصاً الإشكال الأول؛ لأنه متضمن للإشكالين الآخرين؛ ولأنه غاية البحث وثمرته، وهي إشكالية ظاهرة الارتباط بأهداف الكتاب.

أبرز مزايا الكتاب

يمكن عدُّ المنهج النقدي الذي سلكه الباحث في دراسة قضايا علوم القرآن التي تناولها الفكر الحداثي بالبحث أخصَّ مزية للكتاب؛ إذ يندر توظيف هذا المنهج في الدراسات الشرعية، مقارنة بالمنهج الوصفي، أو المقارن، أو التحليلي الذي يغلب عليها. وقد ساعده على هذا:

- إبراز تقليد الحداثيين العرب -شبه التام- للنتائج التي سبق إليها المستشرقون عمليًّا، ومن خلال قضايا متعددة في علوم القرآن، بل كان ينعى على الفكر الحداثي العربي عدم توظيف المنهج النقدي الذي ألزموا به أنفسهم.

- إدراك الحقائق الكامنة في استعمال بعض المصطلحات التي نحتها بعض الحداثيين العرب، وعدم الاكتفاء بما ذكره الحداثيون من علل لاستخدامها، كمصطلح (الظاهرة القرآنية).

- النجاح في رد معظم القضايا التي تناولها الفكر الحداثي بالدراسة إلى أصولها الفكرية والمعرفية، ومنها رفض الباحث بعض المناهج المقترحة من لدن الحداثيين لدراسة نصوص القرآن الكريم؛ لكونها لا تتفق وربانية النص القرآني؛ مستنداً في ذلك إلى أصل وجود تلك المناهح، والغاية التي وُجِدت لأجلها.

الملاحظات على الكتاب

ثمة بعض الملاحظات على هذا الكتاب نذكر أهمها وفق التالي:

- عدُّ تراث علوم القرآن عند المسلمين من المرتكزات التي اعتمد عليها الفكر الحداثي العربي في تصور قضايا علوم القرآن. والذي يطلع على ما أورده الباحث من قضايا، يرى أن ما يتكئ عليه الباحثون؛ إنما هي أقوال مبثوثة في تراث علوم القرآن. ولعل مراد الباحث في جعل تراث علوم القرآن للمسلمين مرتكزاً للحداثيين، إنما هو المرتكز التبعي، وليس بالأصالة؛ فالذي يقرأ الكتاب يرى أن العمدة في ذلك إنما هو التوجه الحداثي الغربي، وما ألفه المستشرقون في الدراسات القرآنية. وليس استغلال الاستشراق لروايات موجودة في تراث المسلمين بمسوِّغٍ لعدها من مرتكزاته.

- يجد القارئ معاناة في الربط بين المرتكزات الفكرية والمعرفية التي بيَّنها الباحث في الباب الأول من كتابه، وبين القضايا التي درسها في الباب الثاني؛ ذلك أنه -في كثير من الأحيان- لم يكن يحيل على تلك المرتكزات أثناء دراسة تلك القضايا، وقد يحيل لكن من غير إيعاز إلى رقم الصفحة. كما أن الباحث كان يورد صفحات من غير أن يعزو إلى مظانها.

- كان تخريج الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب على خلاف المتبع في مناهج البحث العلمي الشرعي؛ إذ لم يكن يحيل على دواوين السنة المعتمدة، فضلاً عن ذكر درجة الحديث، مكتفياً -أحياناً- بالعزو إلى كتاب (الإتقان) للسيوطي، أو فتح الباري لابن حجر. كما أنه اعترض على حديث ورد في (صحيح مسلم) كونه لم يرد في (صحيح البخاري) وفوق ذلك، فقد دعا إلى تمحيص الروايات المتعلقة بجمع القرآن ونزوله، معتبراً أنه لا يكفي كون سندها صحيحاً للحكم عليها، بل يجب النظر إليها في إطار الرؤية القرآنية الكلية.

- إيغال الباحث في بعض الدعاوى وتهويلها؛ كتضخيم قضية (أزمة العقل المسلم) وجعلها السبب في إيراد بعض القضايا في كُتب علوم القرآن.

- عدم بيانه لبعض المصطلحات التي تحتاج إلى شرح؛ والتي لا يتسنى لكثير من الدراسين في العلوم الشرعية معرفتها، ما يجعل القارئ لا يستطيع فهم بعض الفقرات إلا بعد الرجوع إلى معاجم المصطلحات الفلسفية الغربية، ومن تلك المصطلحات (الإمبريالية الغربية) (تيولوجيا) (الفيلولوجيا) (الإبستمائية) (البسيكولوجي) (الأنتروبولوجيا)...

خاتمة

على الرغم من هذه الملاخظات المسجلة على هذا الكتاب، فإنه يمكن عدُّه إضافة نوعية إلى مكتبة الدراسات القرآنية؛ بحيث يزيل اللثام عن الخبايا التي تستكن بين كثير من قضايا علوم القرآن المثارة من قِبَل الحداثيين العرب؛ وذلك بالكشف عن أصولها الفكرية والمعرفية، وبيان تقليدهم الكلي -تقريباً- للمستشرقين، ونقد التصورات التي تحْفِلُ بها مؤلفاتهم، واختبار نجاعة المقترحات والمناهج التي يزعم الفكر الحداثي العربي أنها بديل عما تلقيناه من علمائنا المتقدمين، وتزييف كثير من دعاويهم وشبهاتهم.

صدرت الطبعة الأولى للكتاب عن دار الكلمة للنشر والتوزيع/القاهرة/ سنة 1436هـ-2015م، وبلغت عدد صفحاته (231) صفحة.

* مادة المقال مستفادة من موقع (مركز تفسير للدراسات القرآنية) بتصرف.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة