الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إنكم ستفتحون مِصْر

إنكم ستفتحون مِصْر

إنكم ستفتحون مِصْر

مِنْ أعلام ودلائل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما أطلعه الله عز وجل عليه من الأمور الغيبية، ووقوعها وِفْق ما أخبر به، وقد شهدها الصحابة رضوان الله عليهم ومَنْ جاء بعدهم، وفي ذلك تأييد له، وإظهار لصدقه ونبوته، وعلو قدْره ومنزلته عند الله، لأن إخباره صلى الله عليه وسلم بأحداث ستكون في المستقبل وتقع مطابقة لما أخبر به، فيه معجزة من معجزاته، ودلالة على أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أوْحي بها إليه، قال الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}(الجـن:27:26). قال البغوي: "{إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} إلا من يصطفيه لرسالته فيظهره على ما يشاء من الغيب لأنه يستدل على نبوته بالآية المعجزة بأن يخبر عن الغيب".

والسيرة النبوية فيها من المواقف والأحداث الكثير، التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فيها عن انتشار الإسلام وظهور أمره، وفتْح بلاد معينة، ودخول أهلها في الإسلام، وهذا أمر غيْبي لا دخل فيه للتوقع والظن، خاصة أن بعض هذه الأخبار قالها النبي صلى الله عليه وسلم في وقت ضعف المسلمين وشدة التضييق عليهم، وعلى خلاف ما تُوحِي به الأحداث الجارية حينئذ، بل على عكسها ونقيضها، ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم يخبر أصحابه رضوان الله عليهم أن الإسلام سيعلو ويظهر وينتشر، وأن الله عز وجل سيبدل الخوف الذي يعيشون فيه بالأمن التام. عن خباب بن الأرَتّ رضي الله عنه قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: كان الرجل فيمن قبلكم، يُحْفَر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) رواه البخاري.

فتْح مِصْر:

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم بأنهم سيفتحون مصر، وأوصى بأهلها خيراً، إكراماً لهاجر أم إسماعيل ـ عليهما السلام ـ، فقد كانت من مصر.
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما ـ أوْ قال: ذمة وصهرا ـ، فإذا رأيتَ رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة، فاخرج منها) رواه مُسلم.
وفي رواية الحاكم وصححها الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقِبْط خيراً فإن لهم ذمة ورحما)، وقد علل النبي صلى الله عليه وسلم التوصية في هاتين الروايتين بالرحِم والذِمَّة، وقد فسر أهل العلم الذمة والرحم في شأن أهل مصر بكون هاجر أم إسماعيل قبطية، وأن مارية أم إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قبطية. قال البيهقي: "(فإن لهم ذمة ورحما)، يَعْنِي ـ أَنَّ أُمَّ إسماعيل كانتْ منهم". وقال السيوطي: "يَعْنِي أَن أم إِسْمَاعِيل هَاجَر كَانَت مِنْهُم، ومارِية أم إِبْرَاهِيم قبطية".
وفى هذا الحديث ثلاثة مِنْ أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وُجِدت وتحققت كلها، منها فتح مصر بالفعل، ومنها إعطاء أهلها العهد، ودخولهم في الذمة، ومنها قوله: (فإذا رأيتم رجلين يختصمان في لبنة) قال أبو ذر رضي الله عنه: "فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها".
قال النووي في شرحه لصحيح مُسلِم: "قال العلماء: القيراط جزء من أجزاء الدينار والدرهم وغيرهما، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به، وأما الذمة: فهي الحرمة والحق، وهي هنا بمعنى الذمام، وأما الرحم: فلكون هَاجر أم إسماعيل منهم، وأما الصِهْر: فلكون مارية أم إبْراهيم منهم، وفيه معجزات ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، منها: إخباره بأن الأمة تكون لهم قوة وشوكة بعده بحيث يقهرون العجم والجبابرة، ومنها: أنهم يفتحون مصر، ومنها تنازع الرجلين في موضع اللبنة ووقع كل ذلك ولله الحمد".

لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم في مواطن وأحاديث كثيرة عن بعضٍ من الأمور الغيبية المستقبَلية، ووقعت مطابقة لِمَا أخبر به صلى الله عليه وسلم، ولاشك أن الإخبار عن مثل هذه الحوادث والفتوحات ووقوعها وِفْق ما أخبر به لا يتم إلا بوحي من الله عز وجل، وهو ما يجعل هذا الإخبار وجْهاً من وجوه الإعجاز، ودليلا من دلائل نبوته صلوات الله وسلامه عليه، ومن ذلك إخباره لأصحابه بأنهم سيفتحون مصر بقوله: (إنكم ستفتحون مصر)، وهو ما حدث بالفعل في عهد عمر بن الخطاب علي يد عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
والأحاديث في دلائل النبوة كثيرة جداً، اعتنى بجمعها وذكرها عدد كبير من الأئمة والأعلام كالبيهقي في "دلائل النبوة"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، والسِيوطي في "الخصائص الكبرى" وغيرهم.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة