الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الماوردي ومنهجه في التفسير (2)

الماوردي ومنهجه في التفسير (2)

 الماوردي ومنهجه في التفسير (2)

التفسير بالدراية: اهتم الماوردي بالتفسير بالمأثور اهتمامًا كبيرًا حتى غلب ذلك على تفسيره، لكنه مع ذلك لم يغفل التفسير بالدراية أيضًا، بل لقد تكلم في مقدمة تفسيره عن ذلك في فصلين بعنوان: التفسير بالاجتهاد، وأقسام التفسير، ورد على من فهم من ظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» رواه الترمذي. أنه لا يفسر القرآن بالرأي والاستنباط إلا ما كان من نقل صحيح، أو دل عليه نص صريح، بل رأى الماوردي أن ذلك عدول عمَّا تعبَّد الله تعالى به عباده من خطابهم بلسان عربي مبين "وجعل لهم سبلًا إلى استنباط أحكامه، كما قال الله تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ولو كان ما قالوه صحيحًا لكان كلام الله غير مفهوم، ومراده بخطابه غير معلوم".

وإنما حمل الماوردي الحديث السابق على "أن من حمل القرآن على رأيه، ولم يعلم على شواهد ألفاظه، فأصاب الحق فقد أخطأ الدليل"، هذا إضافة إلى ذكره قول ابن عباس من أن التفسير على أربعة أوجه: الأول: تعرفه العرب بكلامها، والثاني: لا يعذر أحد بجهله، والثالث: يعلمه العلماء، والرابع: لا يعلمه إلا الله عز وجل، فالثالث من هذه الوجوه ما يختص بالعلماء، وهو التفسير بالاجتهاد قال فيه الماوردي: "ما يرجع فيه إلى اجتهاد العلماء وهو تأويل المتشابه، واستنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم، والمجتهدون من علماء الشرع أخص بتفسيره من غيرهم حملًا لمعاني الألفاظ على الأصول الشرعية، حتى لا يتنافى الجمع بين معانيها وأصول الشرع فيعتبر فيه حال اللفظ"، ولذا أجاز الماوردي لنفسه الاجتهاد والاستنباط في تفسير القرآن، ومثال ذلك كما يأتي:
بعد أن ذكر الماوردي الأقوال في تفسير قوله تعالى {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} [النبأ: 9] ذهب هو إلى "أن السبات ما قرت فيه الحواس حتى لم تدرك بها الحس"، وهو تفسير موافق لما ذكره المفسرون قبله من معاني السبات، ثم إنه موافق لمعنى السبت في اللغة أيضًا.
وكذا فعل الماوردي عند تفسيره قوله تعالى {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} [عبس: 13]، فبعد أن عرض أقوال المفسرين في معنى مكرمة ذهب هو إلى إضافة قول آخر في تفسيرها بما لم يسبق إليه، وهي أنها "نزلت من كريم؛ لأن كرامة الكتاب من كرامة صاحبه"، وهو تفسير ليس ببعيد عن ظاهر اللفظ القرآني.
ورغم حرص الماوردي ونصه على أن التفسير بالمأثور أو بالاجتهاد لا بد وأن يتوافق وأصول التفسير؛ إلا أنه قد فسر بعض الآيات بما لا يتوافق وظاهر الآيات، ولم يذكره أحد من المفسرين أو يشر إليه، ولا تسعفه اللغة فيه، ومن ذلك تفسره قوله تعالى في لوط عليه السلام: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77] قال: "يحتمل أنه -لوط عليه السلام- ساء ظنه برسل ربه، وضاق ذرعًا بخلاص نفسه؛ لأنه نكرهم قبل معرفتهم"، وهذا لا يتوافق وظاهر اللفظ، وهو مما أُخذ على الماوردي رحمه الله.
أسباب النزول: الماوردي من المفسرين الذين اهتموا بأسباب النزول اهتمامًا بالغًا، فكان يذكر سبب النزول، وفيمن نزلت الآية أيضًا، ذلك أن معرفة سبب النزول يورث العلم بالمسبب أيضا كما يقول ابن تيمية، وربما ذكر الماوردي سبب النزول دون أن يذكر فيمن نزلت مكتفيًا بشهرة الخبر، وأحيانًا يذكر اختلاف الأقوال في سبب النزول ويرجح بينها، وأحيانًا يذكرها دون أن يرجح بينها، ومثال ما نص على ذكر سبب نزوله وفيمن نزلت ما قاله في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 97] قال: "وسبب نزول هذه الآية: أن ابن صوريا وجملة من يهود (فدك) لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة سألوه، فقالوا:...، قال له ابن صوريا: خصلة إن قلتها آمنتُ بك واتبعتُك، أي ملك يأتيك بما يقول الله؟ قال: جبريل، قال: ذاك عدونا، ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل بالبشر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك، فقال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند ذلك: فإني أشهد أن من كان عدّوًا لجبريل، فإنه عدو لميكائيل، فأنزل الله تعالى هذه الآية".
الإسرائيليات في تفسير الماوردي: من أكثر ما يؤخذ على الماوردي في تفسيره إيراده بعض الروايات الإسرائيلية التي لم يلتزم فيها الحيطة والحذر ولم ينتقدها في شيء أو يعقب عليها، مع ما فيها مما يخالف شرعنا، وكان من أعظم ما ذكره دون تعقيب ولا نقد ما أورده بحق نبي الله داود عليه السلام عند تفسير قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] حيث أورد قصة إسرائيلية تطعن في نبوته، وتقدح في عصمته، دون أن ينتقدها أو يعقب عليها، وذلك لا يعني أنه منهجه في الإسرائيليات، بل لقد أورد في قصة هاروت وماروت، وقصة طالوت وداود ما لا يخالف شرعنا وعقيدتنا.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة