من الآيات المتعلقة بأعمال الحج والمتضمنة لبعض أحكامه قوله عز وجل: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين} (الحج:37) تتضمن هذه الآية الكريمة جملة من الأحكام والفوائد، نبينها وفق المسائل الآتية:
المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان أهل الجاهلية يضرجون البيت -أي: يلطِّخون البيت- بدماء البُدن -(البدن) جمع بَدَنة، و(البدنة) تقع على الجمل، والناقة، والبقرة، وهي بالإبل أشبه. وسميت بدنة لعظمها وسمنها- فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فنزلت الآية.
المسألة الثانية: قوله سبحانه: {لن ينال الله} (النيل) الإصابة. يقال: ناله، أي، أصابه ووصل إليه. ويأتي أيضاً: بمعنى أحرز، فإن فيه معنى الإصابة، كقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران:92) وقوله: {وهموا بما لم ينالوا} (التوبة:74). قال القرطبي: "(النَّيْل) لا يتعلق بالبارئ تعالى، ولكنه عبر عنه تعبيراً مجازيًّا عن القبول، والمعنى: لن يصل إليه. وقال ابن عباس: لن يصعد إليه. وقال ابن عيسى: لن يقبل لحومها ولا دماءها، ولكن يصل إليه التقوى منكم، أي ما أريد به وجهه، فذلك الذي يقبله، ويُرفع إليه، ويسمعه، ويثيب عليه، ومنه الحديث (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه".
والمقصود من نفي أن يصل إلى الله لحومها ودماؤها، إبطال ما يفعله المشركون من نضح الدماء في المذابح وحول الكعبة، وكانوا يذبحون بالمروة، قال الحسن: كانوا يلطخون بدماء القرابين، وكانوا يشرحون لحوم الهدايا، وينصبونها حول الكعبة قرباناً لله تعالى، يعني زيادة على ما يعطونه للمحاويج.
قال ابن كثير: "إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا؛ لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرزاق، لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه، وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم، وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها، كما جاء في الصحيح (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم، وجاء في الحديث (إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض) رواه ابن ماجه والترمذي، فمعناه أنه سيق لتحقيق القبول من الله، لمن أخلص في عمله، وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا".
وقال السعدي: "ليس المقصود منها ذبحها فحسب، ولا ينال الله من لحومها ولا دمائها شيء؛ لكونه الغني الحميد، وإنما يناله الإخلاص فيها، والاحتساب، والنية الصالحة، ولهذا قال: {ولكن يناله التقوى منكم} ففي هذا حث وترغيب على الإخلاص في النحر والذبح، وأن يكون القصد وجه الله وحده، لا فخراً، ولا رياء، ولا سمعة، ولا مجرد عادة، وهكذا سائر العبادات، إن لم يقترن بها الإخلاص وتقوى الله، كانت كالقشور التي لا لب فيها، والجسد الذي لا روح فيه".
المسألة الثالثة: معلوم أن شيئاً من الأشياء لا يوصف بأنه يناله سبحانه، فالمراد -كما ذكر الرازي- وصول ذلك إلى حيث يُكتب، يدل عليه قوله سبحانه: {إليه يصعد الكلم الطيب} (فاطر:10). وقد سئل عامر الشعبي عن جلود الأضاحي، فقال: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وإن شئت فتصدق.
المسألة الرابعة: في قوله عز وجل: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} إيماء إلى أن إراقة الدماء وتقطيع اللحوم ليسا مقصودين بالتعبد، ولكنهما وسيلة لنفع الناس بالهدايا؛ إذ لا يُنتفع بلحومها وجلودها وأجزائها إلا بالنحر أو الذبح، وأن المقصد من شرعها انتفاع الناس المُهْدِين وغيرهم؛ فأما المهدُون فانتفاعهم بالأكل منها في يوم عيدهم، فذلك نفع لأنفسهم ولأهاليهم. وأما غيرهم فانتفاع من ليس له هدي من الحجيج بالأكل مما يهديه إليهم أقاربهم وأصحابهم، وانتفاع المحاويج من أهل الحرم بالشبع، والتزود منها والانتفاع بجلودها وجلالها وقلائدها، كما أومأ إليه قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} (المائدة:97).
المسألة الخامسة: قوله تعالى: {كذلك سخرها لكم} مَنَّ سبحانه علينا بتذليلها، وتمكيننا من تصريفها، وهي أعظم منا أبداناً، وأقوى منا أعضاء، ذلك ليعلم العبد أن الأمور ليست على ما يظهر إلى العبد من التدبير، وإنما هي بحسب ما يريدها العزيز القدير، فيغلب الصغير الكبير ليعلم الخلق أن الغالب هو الله الواحد القهار فوق عباده.
المسألة السادسة: قوله عز وجل: {لتكبروا الله} أي: لتعظموه وتجلِّوه. وذَكَرَ سبحانه ذِكْرَ اسمه عليها في الآية قبلها، فقال عز وجل: {فاذكروا اسم الله عليها} وذكر هنا التكبير {لتكبروا الله} وكان ابن عمر رضي الله عنهما يجمع بينهما إذا نحر هديه، فيقول: بسم الله، والله أكبر، وهذا من فقهه رضي الله عنه. وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه، قال: (ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين) -الأملح: الذي بياضه أكثر من سواده. وقيل: النفي البياض- قال: (ورأيته يذبحهما بيده، ورأيته واضعاً قدمه على صفاحهما، وسمَّى وكبَّر) -صَفْح كل شيء: وجهه وناحيته-.
وقد اختلف العلماء في هذا، فقال أبو ثور: التسمية متعينة كالتكبير في الصلاة. والعلماء كافة على استحباب ذلك؛ فلو قال ذِكْراً آخر فيه اسم من أسماء الله تعالى، وأراد به التسمية جاز، وكذلك لو قال: الله أكبر فقط، أو لا إله إلا الله. فلو لم يرد التسمية لم يُجْزِ عن التسمية، ولا تؤكل؟ قاله الشافعي ومحمد بن الحسن. وكره المالكية وغيرهم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند التسمية في الذبح أو ذِكْره، وقالوا: لا يذكر هنا إلا الله وحده. وأجاز الشافعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح.
المسألة السابعة: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن قول المضحي: اللهم تقبل مني، جائز. وكره ذلك أبو حنيفة، والحجة عليه ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها، وفيه: ثم قال: (باسم الله، اللهم تقبَّل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد) ثم ضحَّى به. واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} (البقرة:127). وكره مالك قولهم: اللهم منك وإليك، وقال: هذه بدعة. وأجاز ذلك بعضهم، والحجة له ما رواه أبو داود عن جابر رضي الله عنه، قال: ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم الذبح كبشين أقرنين موجأين -أي: خصيين- أملحين، فلما وجههما، قال: (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك وإليك عن محمد وأمته باسم الله، والله أكبر) ثم ذبح. فلعل مالكاً لم يبلغه هذا الخبر، أو لم يصح عنده، أو رأى عمل أهل المدينة يخالفه. وعلى هذا يدل قوله: إنه بدعة.
المسألة الثامنة: قوله عز وجل: {على ما هداكم} التقدير: على ما هداكم إليه من الأنعام. قال ابن عاشور: "و(الهداية إليها) هي تشريع الهدايا في تلك المواقيت؛ لينتفع بها الناس، ويرتزق سكان الحرم الذين اصطفاهم الله ليكونوا دعاة التوحيد، لا يفارقون ذلك المكان، والخطاب للمسلمين". والمعنى بحسب ابن كثير: "كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه ويرضاه، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه".
المسألة التاسعة: قوله سبحانه: {وبشر المحسنين} روي أنها نزلت في الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، قال القرطبي: "ظاهر اللفظ يقتضي العموم في كل محسن". والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: "أي وبشر يا محمد! المحسنين في عملهم، القائمين بحدود الله، المتبعين ما شرع لهم، المصدقين الرسول في ما أبلغهم، وجاءهم به من عند ربه عز وجل". ويحتمل أن يكون المراد وفق السعدي: "{وبشر المحسنين} بعبادة الله بأن يعبدوا الله، كأنهم يرونه، فإن لم يصلوا إلى هذه الدرجة فليعبدوه، معتقدين وقت عبادتهم اطلاعه عليهم، ورؤيته إياهم، والمحسنين لعباد الله، بجميع وجوه الإحسان من نفع مال، أو علم، أو جاه، أو نصح، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو كلمة طيبة ونحو ذلك، فالمحسنون لهم البشارة من الله، بسعادة الدنيا والآخرة، وسيحسن الله إليهم، كما أحسنوا في عبادته ولعباده، مصداقاً لقوله سبحانه: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (الرحمن:60) وقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (يونس:26).
المسألة العاشرة: سئل ابن عاشور غير مرة سؤال عما إذا كانت الهدايا أوفر من حاجة أهل الموسم، قطعاً أو ظناً قريباً من القطع، كما شوهد ذلك في مواسم الحج، فما يبقى منها حيًّا يباع، وينفق ثمنه في سد خَلَّة المحاويج، أجدى من نحره أو ذبحه حين لا يرغب فيه أحد، ولو كانت اللحوم التي فات أن قطعت وكانت فاضلة عن حاجة المحاويج، يعمل تصبيرها بما يمنع عنها التعفن، فينتفع بها في خلال العام أجدى للمحاويج؟
قال ابن عاشور: وقد ترددتْ في الجواب عن ذلك أنظارُ المتصدِّين للإفتاء من فقهاء هذا العصر، وكادوا أن تتفق كلمات من صدرت منهم فتاوى على أن تصبيرها مناف للتعبد بهديها.
أما أنا فالذي أراه أن المصير إلى كلا الحالين من البيع والتصبير لما فضل عن حاجة الناس في أيام الحج، لينتفع بها المحتاجون في عامهم، أوفق بمقصد الشارع؛ تجنباً لإضاعة ما فضل منها، رعياً لمقصد الشريعة من نفع المحتاج، وحفظ الأموال مع عدم تعطيل النحر والذبح للقدر المحتاج إليه منها المشار إليه بقوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} (الحج:36) وقوله: {كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم} (الحج:37)، جمعاً بين المقاصد الشرعية.
وتعرض صورة أخرى وهي توزيع المقادير الكافية للانتفاع بها على أيام النحر الثلاثة، بحيث لا يُتعجَّل بنحر جميع الهدايا في اليوم الأول، طلباً لفضيلة المبادرة، فإن التقوى التي تصل إلى الله من تلك الهدايا هي تسليمها للنفع بها. وهذا قياس على أصل حفظ الأموال، كما فرضوه في بيع الفرس الحُبْس، إذا أصابه ما يفضي به إلى الهلاك، أو عدم النفع، وهي المعاوضة لربع الحُبْس إذا خرب. وحكم الهدايا مركب من تعبد وتعليل، ومعنى التعليل فيه أقوى، وعلته انتفاع المسلمين، ومسلك العلة الإيماء الذي في قوله تعالى: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} (الحج:36). انتهى كلام ابن عاشور.
المسألة الحادية عشرة: ينبغي أن يُعلم أن توهم التقرب بتلطيخ دماء القرابين، وانتفاع المتقرب إليه بتلك الدماء عقيدة وثنية قديمة، فربما كانوا يطرحون ما يتقربون به من لحم وطعام، فلا يَدَعُوْنَ أحداً يأكله. وكان اليونان يشوون لحوم القرابين على النار حتى تصير رماداً، ويتوهمون أن رائحة الشواء تسر الآلهة المتقرب إليها بالقرابين. وكان المصريون يلقون الطعام للتماسيح التي في النيل؛ لأنها مقدسة، وربما كانوا يقذفون بمزع من اللحم على أنها لله، فربما أصابها محتاج، وربما لم يتفطن لها، فتأكلها السباع أو تفسد.
المقالات

