ورد ذلك في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، قَالَ: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ» وذكر «الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ».
قال ابن منظور في اللسان: وأصل الزَّبْر: طَيُّ البئر إذا طويت تماسكت واستحكمت؛ واستعار ابن أحمر الزبر للريح فقال:
فالزبر في كلام الشراح هو العقل، وعلى هذا يكون المعنى لا عقل له، ولكن ليس المقصود أصل العقل، فإن من لا عقل له أصلا لا يكلف، وإنما المقصود تمامه وكماله، فيكون المعنى: لا رادع له عن الحرام، كما قال في المرقاة: أهل اللغة يقولون لا زبر له أي: لا تماسك له، وهو في الأصل مصدر، والمعنى: لا تماسك له عند مجيء الشهوات، فلا يرتدع عن فاحشة ولا يتورع عن حرام. انتهى
فهذه الاستعارة التي حصلت في هذا النص النبوي في لفظ "لا زبر له"، حيث استعار صورة الحجارة التي تطوى بها البئر حتى تتماسك وتحفظ مما يكدر صفو مائها للعقل الرادع عن المحرمات التي تعكر صفو الفطرة، وبهذا يظهر بلاغة استخدام اللفظ الغريب في سياق تقريب المعنى الذهني من خلال انتخاب اللفظ الأنسب للمعنى، ولو كان غريباً.
2. الشنظير:
وردت هذه اللفظة في الحديث السابق، وقد جاء في تهذيب اللغة: الشِّنظير مثل الشُّنْظُرَة، وَهِي الصَّخْرَة تَنْفلق من رُكن من أَرْكَان الْجَبَل فَتَسْقُط. انتهى. وحين نطالع كتب شروح الحديث نجدهم يقولون إن معنى الشنظير هو الفاحش المبالغ في الفحش، ويفسرونه بسيء الخلق، وإن كان يغلب التلازم بينهما.
وقد غلب استعمال الكلمة في المعنى المذكور في كتب الشروح، وأصبح المعنى اللغوي مهجورا، وإن كان يربط بين تلك المعاني أصل السقوط، فالفاحش سيء الخلق يسقط من أعلى المراتب إلى القاع، كما تسقط الصخرة التي انفلقت من ركن الجبل.
وجاء الاستعمال النبوي لهذه اللفظة الغريبة للتنفير من الفحش الذي يستغربه أهل الطباع السليمة كما يستغرب لفظ الشنظير وينبو السمع عنه، فناسبت تلك اللفظة لمضمون الكلام شكلا ومضمونا.
قال الزمخشري في الفائق في غريب الحديث: الهيشات هِيَ الْفِتَن من الهوش وَهُوَ الْخَلْط وَالْجمع وهشت إِلَى فلَان إِذا خففت إِلَيْهِ وَتَقَدَّمت هوشاً وهاش بَعضهم إِلَى بعض: وَثبُوا لِلْقِتَالِ هيشاً.
وقال القاسم بن سلام في غريب الحديث: قال أبو عبيدة: الهوشة: الفتنة والهيج والاختلاط يقال منه: قد هوش القوم إذا اختلطوا، وكذلك كل شيء خلطته فقد هوشته، قال ذو الرمة يصف المنازل وأن الرياح قد اختلفت فيها حتى عفتها أو غيرتها وخلطت بعضها ببعضه فقال:
تَعَفَّتْ لِتَهْتانِ الشتَاء وهَوَّشَتْ ... بهَا نائجات الصَّيف شَرْقّيةً كَدْرا
فتبين من هذا بلاغة هذا اللفظ الغريب من خلال مناسبته للمعنى الذي أورد من أجله، وهو التحذير من مشابهة المساجد بالأسواق، فهي تتضمن النهي عن الاختلاف الذي لا يليق بالمساجد، وتتضمن النهي عن الاختلاط الذي يحصل في الأسواق بين الرجال والنساء، والصبيان والبالغين، فينبغي تجنيب المساجد منه، ويدل اللفظ أيضا على تنزيه المساجد عن الفتن والجدال والغش والخداع والجلبة ورفع الأصوات مما يحصل في الأسواق غالبا، بل وكل ما من شأنه التشويش على قدسيتها وهدوئها، وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم جمع كل هذه المعاني بلفظ واحد فناسب استعمال هذا اللفظ الغريب لخدمة المعنى الذي سبق شموله.
4. يفرك:
ورد هذا اللفظ في حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَفْرَكُْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كَرِه منها خُلقا رضي منها آخر» أو قال: «غيره».
قال النووي في شرحه على مسلم: يَفْرَكْ بفتح الياء والراء وإسكان الفاء بينهما، قال أهل اللغة: فَرِكَهُ بكسر الراء يفرَكه بفتحها إذا أبغضه، والفَرْك بفتح الفاء وإسكان الراء: البغض.
وقد أشار إلى قول من قال إنه خبر، ثم قال والصواب أنه نهي عن أن يبغضها؛ لأنه إن وجد فيها خلقا يُكره وجد فيها خلقاً مرضياً، بأن تكون شرسة الخلق لكنها ديِّنَة أو جميلة أو عفيفة أو رفيقة به أو نحو ذلك.
وأما على رواية رفع المضارع: يَفْرَكُ، فيكون خبرا وليس نهيا، كما قال السيوطي في شرحه على مسلم: وإنما المراد الإخبار بأن المؤمنة لا يتصور فيها اجتماع كل القبائح بحيث إن الزوج يبغضها البغض الكلي، وبحيث أنه لا يحمد فيها شيئا أصلا، هذا هو معنى الفرك، ووقوع هذا مستحيل؛ فإنه إن كره قبح وجهها مثلا قد يحمد سمن بدنها وعبالة أعضائها وثقل أردافها وأوراكها، أو كره رقتها قد يحمد حلاوة منظرها، أو كره الأمرين قد يحمد جماعها، أو كره الكل قد يحمد دينها أو قناعتها أو حفظها لماله وحرمته أو شفقتها عليه أو خدمتها له، فلا تخلو المؤمنة من خلة حسنة يحمدها الزوج. انتهى.
والفَرْك في المعاجم ورد بمعنى دَلْكُ الشيء حتى ينقلع قشره عن لُبِّه، واستفرك الحَبَّ في السنبلة: إذا استوى واشتد.
وهذا يضيف معنى آخر للحديث، فإنَّ فرك الحبوب وفصلها عن قشرها لا يكون إلا بعد جفافها، وكذلك لا يحصل فرك الزوج لزوجته إلا حين تجف مشاعر المودة بينهما شيئا فشيئا حتى تنفصل عن بيت الزوجية بالطلاق.
المقالات

