لما كان الإسلام مستمداً من خالق الإنسان فإنه يتميز عن سائر النظم والقوانين بالنزعة الإنسانية حتى في الظروف الاستثنائية كالحرب وغيرها، والإنسانية في الجهاد تعني التوازن بين إنفاذ التوجيه الإلهي بالمقاتلة وبين التعاطف الإنساني في إطار المقاصد الشرعية لفريضة الجهاد، وهذا التوازن ظاهر في تشريعات الجهاد وأحكامه.
مقصد القتال في الإسلام:
حين نتأمل في بواعث القتال في الإسلام تبرز لنا النزعة الإنسانية في فريضة الجهاد بوضوح تام، وقد اعتنى الإسلام بتجلية مقاصد القتال من أول آية نزلت في شأنه، حتى تبقى مستصحبة في ذهن المقاتل في كل أعماله القتالية، يقول الله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصرِهِم لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَولَا دَفعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَهُدِّمَت صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 39-40].
فهذا أبرز مقصد للجهاد في الإسلام، وغير خافٍ على القارئ النزوع الإنساني في هذا المقصد، فهو سعي في رفع الظلم عن الإنسان بسبب اعتناقه للإسلام، فيتعرض للقتل والتشريد والتضييق عليه في إقامة شعائره، فكان القتال والحالة هذه انتصاراً للإنسانية قبل أن يكون انتصارا للدين الذي اعتنقه، فالمسلم في هذه الحالة في مواجهة طغيان يحاول سلب الإنسان إرادته وحريته وكرامته.
ولذلك لم يكن من موجبات القتال ومقاصده إزالة الكفر والشرك بالكلية، فهذا غير ممكن قدراً، وإنما موجب القتال هي الحرابة مضافة إلى الشرك والكفر، وهذا ما فهمه بعض المفسرين من قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلَا عُدوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] فقوله : "فإن انتهوا" لا يعني دخولهم في الإسلام، بل قد يكون بمسالمة المسلمين، وترك الهيمنة على قرار الآخرين في اختيار الدخول في الإسلام، ولذلك يُقَرُّون على دفع الجزية مع كفرهم، فالقتال لمنع سيادة الكفر وفرضه وهيمنته على الناس.
فالإنسان في المفهوم الإسلامي يتألف من جسم مادي ونفخة روحانية، وتعبيد طريقه بكسر سيادة الكفر للوصول إلى الإسلام الذي به نجاته الأبدية لروحه وبدنه هو غاية التكريم الإنساني للإنسان، ولا غاية للإسلام إلا تخليص هذا الإنسان من شقاء الدنيا والآخرة، وهذا يبرز إنسانية القتال في الإسلام كما بينا.
فالمسلم ليس له سلطة مطلقة على الإنسان الكافر، ولذلك لم يسمح الإسلام للمقاتلين تحت رايته بتحكيم آرائهم، ونزعاتهم القتالية لاستهداف الإنسان تحت أي مبرر مهما كان، لذلك وجدنا حِبَّ رسول الله وابنَ حِبِّه يتعرّض لتأنيبٍ شديد من الرسول صلى الله عليه وسلم عندما تأَوَّلَ وقتل مَن نطق بالشهادتين : «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ". متفق عليه، ونزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبتُم فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَن أَلقَى إِلَيكُمُ السَّلَامَ لَستَ مُؤمِنًا تَبتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِن قَبلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيكُم فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94].
ذلك أن القتال في الإسلام ليس غاية في ذاته، والقتلُ لمجرّد القتل ليس مقصودًا ولا مرادًا؛ لأنَّ الأصل أنَّ الإنسانَ بنيانُ الربِّ؛ فلا مسوّغ لأحد في هدمه إلا بإذنٍ من الربِّ تبارك وتعالى، ووفق مراده، ما لم يكن كذلك فهو تصرف خاطئ يحمل ذنبه من فعله، ولا يلصق ذلك بالإسلام. بل القتال في الإسلام وسيلة لغاية عظمى وهي تحقيق السيادة الإلهية في الأرض.
فالقتال أداة من أدوات المنهج الرباني الذي يراد منه إيصال التصور الصحيح للإنسان عن الله وعن الكون والوجود، وإزاحة العقبات أمام حرية الإنسان في هذا الاختيار، فحرية الإنسان وحريته هي مدار شرعية القتال، وهذا يدفع ما يروجه البعض من تهمة الإرغام على اعتناق الإسلام، فالجهاد لا يشرع إلا بعد مرحلة الحوار والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، واستنفاد الخيارات الممكنة للحيلولة دون القتال.
التوجيهات الإنسانية في الجهاد:
تتسم الحروب في الجاهلية المعاصرة اليوم بالهمجية والوحشية التي تستعمل فيها الأسلحة المدمرة التي تقتل الحياة، وتدمر ما فيها من إنسان وحيوان ونبات وبنيان ، بل لا يزال الإنسان المعاصر يعاني من تشوهات خَلْقية جراء تلك الأسلحة النووية التي استعملت في بعض البلدان، وحين نعقد مقارنة بين هذه الهمجية المتوحشة وبين توجيهات الإسلام للمقاتلين ندرك كم أن هذه الشريعة إنسانية بكل ما تعنيه تلك الكلمة من معنى.
فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله، ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا».
ففي النص السابق الذي يفيض بمعاني الإنسانية يظهر أن المقاتل في الإسلام يعمل في سبيل الله، وهذا أساس لشرعية القتال عنده، فأي قتال لا يحله الله فليس من الإسلام، فإذا كان قتاله لله وفي سبيل الله فإن ذلك لا يحل له كل تصرفاته، فالغدر لا يحل، والتمثيل بالقتلى يتنافى مع مقصد الجهاد وتعاليمه، ولا تبرره شرعية المعركة، وهذه أمور لا يتورع عنها أعداء المسلمين اليوم، وستبقى تلك الجرائم شاهدة على عدم إنسانيتهم.
ومما تضمنه النص السابق أن غير المسلم ليس مجبورا على الدخول في الإسلام، بل هو مدعو إلى الإسلام أولا، فإن لم يختر الإسلام، فيبقى في أمان المسلمين مقابل الجزية، ولا يقاتل إلا إن اختار المواجهة بمحض إرادته، فقد كتب القتال على المسلمين وهو كرهٌ لهم.
فالمحور إذن هو الإنسان وإنسانيته، فقد جاء الإسلام للإنسان دون تمييز لعرق ولا لون ولا نسب، وغايته هو تحرير إرادته من التسلط والاستعباد، وقد أثبتت الحروب القائمة على النظم البشرية جنايتها على الإنسان، ولغة الأرقام والصور والوثائق تؤكد أن البشرية اليوم بحاجة إلى الإسلام بأبعاده الإنسانية في شتى النظم والمجالات، فهو الذي يحافظ على الإنسان حتى في ظروف الحروب والصراعات، والإسلام وحده هو القادر على إعادة طمأنينة الإنسان، وحرية إرادته وخياراته.
فالمحور إذن هو الإنسان وإنسانيته، فقد جاء الإسلام للإنسان دون تمييز لعرق ولا لون ولا نسب، وغايته هو تحرير إرادته من التسلط والاستعباد، وقد أثبتت الحروب القائمة على النظم البشرية جنايتها على الإنسان، ولغة الأرقام والصور والوثائق تؤكد أن البشرية اليوم بحاجة إلى الإسلام بأبعاده الإنسانية في شتى النظم والمجالات، فهو الذي يحافظ على الإنسان حتى في ظروف الحروب والصراعات، والإسلام وحده هو القادر على إعادة طمأنينة الإنسان، وحرية إرادته وخياراته.
المقالات

