الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الصفات العملية للمنافقين في السنة النبوية

الصفات العملية للمنافقين في السنة النبوية

الصفات العملية للمنافقين في السنة النبوية


النفاق مرض خفي غير أن له علامات سلوكية ونفسية تكشف عن حقيقته، وتبرهن على تمكنه من قلب صاحبه، ولذلك جاءت التحذيرات من الاتصاف بتلك الصفات، والتلبس ببعض أعمال المنافقين؛ لأنها إذا اجتمعت في شخص فقد تبينت إصابته بالنفاق، وإذا اتصف ببعضها فقد وقع في شعبة من النفاق، ولما كان المنافقون حريصين على إخفاء كفرهم وريبهم، ولا سبيل إليهم ما داموا يمارسون شعائر المسلمين، ويشهدون بكلمة التوحيد بألسنتهم، فقد كشف الله بواطنهم من خلال أوصافهم وعلاماتهم التي لا قدرة لهم على إخفائها.

أولا: عدم الفقه في الدين:
فالفقه في الدين علما وعملا ليس من اهتماماتهم ولا في دائرة أعمالهم، فهم لا يتعلمون الشرع، ولا يحرصون على فهم مراد الله منهم، وإن علموا بعض الأحكام فإنهم يتهاونون في تطبيقه، وفي صحيح البخاري عن عائشة، قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم يوما، وقال: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا» قال الليث: «كانا رجلين من المنافقين».

وأي شيء يدفع المنافق إلى تعلم الإسلام وأحكامه العلمية والعملية ولما يدخل الإيمان إلى قلبه، بل هو يتظاهر ببعض الشعائر الظاهرة خوفا أو طمعا، ولذلك فقد أكد القرآن الكريم على هذه الصفة الملازمة للمنافقين، فنفى عنهم الفقه والعلم في سورة المنافقين، وكرر ذلك تأكيدا.
ثانيا: عدم الانتفاع بالقرآن:
المنافق سواء قرأ القرآن أو لم يقرأ القرآن فإنه لا ينتفع به، ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر».
وإنما حُرم المنافق من الانتفاع بالقرآن لأنه كافر به غير مصدق بما فيه، فهو لا يتجاوز لسانه إلى قلبه، ولا ينفذ إلى فؤاده، ففي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون خَلَفٌ من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن، لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر» قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة، فقال: «المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به».
وغاية المنافق من تعلم القرآن فاسدة، فهو يقرؤه ليجادل به المؤمنين، ويضرب بعضه ببعض لإثارة الشبهات والفتن في صفوف المسلمين، وفي المسند عن عقبة بن عامر، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أخاف على أمتي الكتاب واللَّبَن» قال: قيل: يا رسول الله، ما بال الكتاب؟ قال: «يتعلمه المنافقون ثم يجادلون به الذين آمنوا» فقيل: وما بال اللَّبَن؟ قال: «أناس يحبون اللبن، فيخرجون من الجماعات ويتركون الجمعات».
وقد ورد في السنة ما يدل على أن المنافقين قد يجيدون إقامة حروف القرآن ولكنهم يضيعون حدوده، فجاء ذم من هذا حاله، وفي المعجم الكبير للطبراني عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أكثر منافقي أمتي قراؤها». أي: الذين يتأولونه على غير وجهه، ويضعونه في غير مواضعه، أو يحفظون القرآن تقية ودفعاً للتهمة عن أنفسهم، وهم معتقدون خلافه فكان المنافقون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة. نقله المناوي في فيض القدير عن ابن الأثير.
ثالثا: التهاون بالصلاة:
شأن المنافقين مع الصلاة وضعت معالمه الآية الكريمة في سورة النساء: (وإِذَا قامُوا إلىْ الصَّلاةِ قامُوا كُسَالى)، فهم لا يرغبون بأدائها، ولا يدفعهم إلى أدائها إلا الخوف من الناس، ولذلك كانوا يتخلفون عن صلاتي العشاء والفجر يتسترون وراء الظُّلْمة، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة على المنافقين العشاء والفجر».

ولثقلها عليهم يؤخرونها ويتهاونون في توقيتها، فيؤخرون صلاة العصر إلى قبيل غروب الشمس، ثم ينقرونها نقرا، لا يحسنون ركوعها ولا سجودها، وفي مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «تلك صلاة المنافقين، ثلاث مرات، يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس، وكانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا».

وإذا كان هذا شأنهم مع الفرائض من التثاقل والتكاسل والتهاون، فإنهم أبعد ما يكونون عن النوافل ورواتب الصلوات، ففي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نُهْبَةٌ، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْرًا، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْرًا، مستكبرين، لا يَأْلَفُونَ وَلَا يُؤْلَفُونَ، خُشُبٌ بالليل، صُخُبٌ بالنهار» وقال يزيد مرة: «سُخُبٌ بالنهار». بالسين والصاد والمعنى: الصياح والجلبة. وقوله: "لا يقربون المساجد إلا هجراً" هو بفتح الهاء، والهجر: الترك والإعراض عن الشيء، يعنى أنهم لا يقربون المساجد، بل يهجرونها، وقوله: "ولا يأتون الصلاة إلا دبراً": بفتح الدال المهملة وسكون الموحدة، أي آخراً، حين كاد الإمام أن يفرغ.
وموضع الشاهد في الحديث أنهم " خُشُبٌ بالليل "، فليس لهم حظ من قيام الليل، قال ابن الأثير: أي إذا جن عليهم الليل سقطوا نياماً، كأنهم خشب، فإذا أصبحوا تساخبوا على الدنيا شحاً وحرصاً.

ولربما بلغ بالمنافق الحال إلى أن يأتي المسجد مع النداء ليسجل حضوره أمام الناس ثم يتحين الفرصة المناسبة للخروج قبل أداء الصلاة، ففي المعجم الأوسط للطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه، إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق».

وبالمقابل فإن المحافظة على الصلاة من العلامات الفارقة بين المؤمن والمنافق، فالمحافظة على هذه الشعيرة تعطي دليلا واضحا على صحة القلب من النفاق، ففي سنن الترمذي عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق».
رابعا: التخلف عن الجهاد ومواقف نصرة المسلمين:
لما كان الجهاد في سبيل الله من التكاليف الشاقة على النفوس، كان لا بد من إيمان صادق يدفع صاحبه لامتثال هذا الأمر، والمنافق لا إيمان في قلبه ولا تصديق، ولذلك كان فرض القتال فاضحا للمنافقين، وعلامة فارقة بينهم وبين المؤمنين، فالمنافقون إذا حضر القتال جعلوا يُنَظِّرون ويخذلون، وأعذارهم واهية للتخلف عن الجهاد، والقرآن الكريم قد جلى لنا حالهم في مواقف الجهاد والنصرة، ولا سيما في سورة التوبة التي تنزلت بعد حادثة تبوك، وما كان من شأنهم في التخذيل والتثبيط والخذلان للمسلمين.

فالمؤمن إما أن يقاتل بالفعل أو أن يطوع نفسه بالعزم على القتال وحديث النفس لو حضر، ومن لم يحصل منه لا هذا ولا هذا فقد شابه المنافقين في شعبة من النفاق، وهي التخلف عن الغزو، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغْزُ، ولم يحدِّث به نفسَه، مات على شُعبة من النفاق».

وهذه العلامة كانت ظاهرة على المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان المنافقون يفرحون بالتخلف عن الجهاد، ثم يكذبون في اعتذارهم عن التخلف، وبعدها ينسبون النصر لأنفسهم، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، «أن رجالا من المنافقين، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا» فنزلت: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} [آل عمران: 188].

ذلك أن الريب الذي سكن قلوبهم حال بينهم وبين ثبات الموقف، وتصديق وعد الله لأوليائه بالنصر والتمكين، فيدخل على قلوبهم الرعب فيجبنون عن اللقاء، وفي المعجم الكبير للطبراني عن ابن عباس، قال: احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل دُلِلْتُمْ على رجل يطعمنا أكلة؟» قال رجل: نعم، قال: «أمَا لا فتقدم فدلنا عليه» فانطلقوا إلى الرجل فإذا في الخندق يعالج نصيبه منه، فأرسلت امرأته أن جئ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتانا، فجاء الرجل يسعى، فقال: بأبي وأمي وله مَعْزَةٌ ومعها جَدْيُها، فوثب إليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْجَدْيُ من ورائنا» فذبح الجدي، وعمدت المرأة إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت فأدركت القدر فثردت قصعتها، فقربتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه فيها، فقال:: «بسم الله، اللهم بارك فيها، اطعموا» فأكلوا منها حتى صدروا ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقي ثلثاها، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم فذهبوا وجاء أولئك العشرة مكانهم فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ودعا لربة البيت وسمت عليها وعلى أهل بيتها، ثم تمشوا إلى الخندق فقال: اذهبوا بنا إلى سلمان فإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «دعوني فأكون أول من ضربها» فقال: «بسم الله» فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: «الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة» ثم ضرب بأخرى فوقعت فلقة فقال: «الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة» فقال عندها المنافقون: نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم.
ولأن النفاق يجمع خصال الكفر، فإن المنافقين يعملون على كسر الإسلام وكيد أهله، فهم لا يكتفون بالتخلف عن مواقف النصرة لقضايا المسلمين، بل يعملون على خلخلة صف المؤمنين، وتشكيكهم في شرعية القتال وإمكانية وقوعه، كما حكى الله عنهم قولهم: (لو نعلم قتالا لاتبعناكم)، بل ويقدمون خدمات للعدو من خلال تحييد جمهور المسلمين عن المشاركة في نصرة قضايا المسلمين العادلة، فقد رجع عبد الله بن أبي يوم أحد بثلث جيش المسلمين، وكان ذلك من أسباب خسارة المعركة، فأجسادهم مع المسلمين وقلوبهم وهواهم مع الأعداء.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة