النفاق مرض خفي غير أن له علامات سلوكية ونفسية تكشف عن حقيقته، وتبرهن على تمكنه من قلب صاحبه، ولذلك جاءت التحذيرات من الاتصاف بتلك الصفات، والتلبس ببعض أعمال المنافقين؛ لأنها إذا اجتمعت في شخص فقد تبينت إصابته بالنفاق، وإذا اتصف ببعضها فقد وقع في شعبة من النفاق، ولما كان المنافقون حريصين على إخفاء كفرهم وريبهم، ولا سبيل إليهم ما داموا يمارسون شعائر المسلمين، ويشهدون بكلمة التوحيد بألسنتهم، فقد كشف الله بواطنهم من خلال أوصافهم وعلاماتهم التي لا قدرة لهم على إخفائها.
أولا: عدم الفقه في الدين:
فالفقه في الدين علما وعملا ليس من اهتماماتهم ولا في دائرة أعمالهم، فهم لا يتعلمون الشرع، ولا يحرصون على فهم مراد الله منهم، وإن علموا بعض الأحكام فإنهم يتهاونون في تطبيقه، وفي صحيح البخاري عن عائشة، قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم يوما، وقال: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا» قال الليث: «كانا رجلين من المنافقين».
ولثقلها عليهم يؤخرونها ويتهاونون في توقيتها، فيؤخرون صلاة العصر إلى قبيل غروب الشمس، ثم ينقرونها نقرا، لا يحسنون ركوعها ولا سجودها، وفي مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «تلك صلاة المنافقين، ثلاث مرات، يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس، وكانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا».
وإذا كان هذا شأنهم مع الفرائض من التثاقل والتكاسل والتهاون، فإنهم أبعد ما يكونون عن النوافل ورواتب الصلوات، ففي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نُهْبَةٌ، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْرًا، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْرًا، مستكبرين، لا يَأْلَفُونَ وَلَا يُؤْلَفُونَ، خُشُبٌ بالليل، صُخُبٌ بالنهار» وقال يزيد مرة: «سُخُبٌ بالنهار». بالسين والصاد والمعنى: الصياح والجلبة. وقوله: "لا يقربون المساجد إلا هجراً" هو بفتح الهاء، والهجر: الترك والإعراض عن الشيء، يعنى أنهم لا يقربون المساجد، بل يهجرونها، وقوله: "ولا يأتون الصلاة إلا دبراً": بفتح الدال المهملة وسكون الموحدة، أي آخراً، حين كاد الإمام أن يفرغ.
ولربما بلغ بالمنافق الحال إلى أن يأتي المسجد مع النداء ليسجل حضوره أمام الناس ثم يتحين الفرصة المناسبة للخروج قبل أداء الصلاة، ففي المعجم الأوسط للطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه، إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق».
وبالمقابل فإن المحافظة على الصلاة من العلامات الفارقة بين المؤمن والمنافق، فالمحافظة على هذه الشعيرة تعطي دليلا واضحا على صحة القلب من النفاق، ففي سنن الترمذي عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق».
فالمؤمن إما أن يقاتل بالفعل أو أن يطوع نفسه بالعزم على القتال وحديث النفس لو حضر، ومن لم يحصل منه لا هذا ولا هذا فقد شابه المنافقين في شعبة من النفاق، وهي التخلف عن الغزو، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغْزُ، ولم يحدِّث به نفسَه، مات على شُعبة من النفاق».
وهذه العلامة كانت ظاهرة على المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان المنافقون يفرحون بالتخلف عن الجهاد، ثم يكذبون في اعتذارهم عن التخلف، وبعدها ينسبون النصر لأنفسهم، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، «أن رجالا من المنافقين، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا» فنزلت: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} [آل عمران: 188].
ذلك أن الريب الذي سكن قلوبهم حال بينهم وبين ثبات الموقف، وتصديق وعد الله لأوليائه بالنصر والتمكين، فيدخل على قلوبهم الرعب فيجبنون عن اللقاء، وفي المعجم الكبير للطبراني عن ابن عباس، قال: احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل دُلِلْتُمْ على رجل يطعمنا أكلة؟» قال رجل: نعم، قال: «أمَا لا فتقدم فدلنا عليه» فانطلقوا إلى الرجل فإذا في الخندق يعالج نصيبه منه، فأرسلت امرأته أن جئ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتانا، فجاء الرجل يسعى، فقال: بأبي وأمي وله مَعْزَةٌ ومعها جَدْيُها، فوثب إليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْجَدْيُ من ورائنا» فذبح الجدي، وعمدت المرأة إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت فأدركت القدر فثردت قصعتها، فقربتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه فيها، فقال:: «بسم الله، اللهم بارك فيها، اطعموا» فأكلوا منها حتى صدروا ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقي ثلثاها، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم فذهبوا وجاء أولئك العشرة مكانهم فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ودعا لربة البيت وسمت عليها وعلى أهل بيتها، ثم تمشوا إلى الخندق فقال: اذهبوا بنا إلى سلمان فإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «دعوني فأكون أول من ضربها» فقال: «بسم الله» فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: «الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة» ثم ضرب بأخرى فوقعت فلقة فقال: «الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة» فقال عندها المنافقون: نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم.
المقالات

