من القواطع التي دلت عليها محكمات الكتاب والسنة أن الله لا يعذب إلا بعد بعث الرسل، وبلوغ الدعوة، وقيام الحجة، وهذا من تمام عدل الله تعالى، وينبني على ذلك أن الناس الذين وجدوا على فترة من الرسل لم تبلغهم الدعوة، كما كان بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فقد كانت الفترة ست مائة سنة كما في صحيح البخاري عن سلمان الفارسي، فهؤلاء لم يبعث إليهم رسول، فما حكمهم؟ وكيف يكون مصيرهم؟
أهل الفترة -كما قال السيوطي في الحاوي للفتاوى- : " هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل، الذين لم يرسل إليهم الأول ولا أدركوا الثاني، كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم، والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين ". انتهى
وردت أحاديث في السنة النبوية في شأن أهل الفترة ومن يلحق بهم ممن لم تبلغه الدعوة لعارض الجنون أو الصغار الذين ماتوا قبل أن يكلفوا، وأفادت تلك الروايات أنهم يمتحنون يوم القيامة ليصيروا إلى ما علم الله من حالهم لو بلغتهم الدعوة، وهذه الأحاديث في مجموعها صحيحة.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة. انتهى
وأما الولدان الذين ماتوا صغارا فقد ورد أنهم في الجنة، يدل لذلك ما رواه أبو يعلى من حديث أنس بن مالك مرفوعا: "سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم". قال ابن حجر في الفتح: إسناده حسن، وورد تفسير اللاهين بأنهم الأطفال من حديث ابن عباس مرفوعا، أخرجه البزار قال ابن عبد البر في الاستذكار: إنما قيل للأطفال اللاهين؛ لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عمد ولا قصد، من قولهم لهيت عن الشيء إذا لم أعتقده. انتهى. وروى أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن صريم عن عمتها قالت قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة". إسناده حسن انتهى.
وأما عن كيفية الامتحان الذي يكون يوم القيامة لأهل الفترة ومن في حكمهم، فقد دلت النصوص على أنهم يمتحنون بنار يؤمرون بدخولها، فمن أطاع الأمر كانت عليه بردا وسلاما، كما في مسند الإمام أحمد عن الأسود بن سريع، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم لَيُطيعنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما".
وأخرج البزار في مسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بأربعة يوم القيامة بالمولود والمعتوه، ومن مات في الفترة وبالشيخ الفاني كلهم يتكلم بحجته فيقول الله تبارك وتعالى لعنق من جهنم أحسبه قال: ابرزي فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أتدخلناها ومنها كنا نفرق؟ ومن كتبت له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعا قال: فيقول الله: قد عصيتموني وأنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية قال: فيدخل هؤلاء الجنة ويدخل هؤلاء النار".
وهذا الامتحان لا يراد منه إحراقهم في النار على الحقيقة، وإنما هو امتحان لمدى توطين نفوسهم على امتثال الأمر وطاعته مهما يكن شاقا، فقد أمر الله خليله إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ولم يكن المقصود تنفيذ الأمر على الحقيقة، وإنما امتحان لما في نفسه من المسارعة إلى الطاعة، والمجاهد في سبيل الله في الدنيا يقدم على ما يظن أو يعلم أن فيه إزهاقا لروحه، كل ذلك دليل على استسلام النفس لامتثال الأمر، وتقديمه على كل مرغوب ومحبوب، فامتحان أهل الفترة يوم القيامة من جنس امتحان المكلفين في الدنيا بالشريعة وأحكامها، وكما أن الناس في الدنيا منقسمون بين ممتثل لتكاليف الشريعة وأحكامها، وبين معرض عنها وعاص لتكاليفها، فأهل الفترة كذلك.
وهذا من تمام عدل الله، وإقامة الحجة على الخلق من أنفسهم، وإلا فلو عذبهم بسابق علمه لما فعل إلا العدل، ولكنه رحيم بعباده، قال السعدي في تفسيره عند قول الله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15]: والله تعالى أعدل العادلين لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة، وأما من انقاد للحجة أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه، واستدل بهذه الآية على أن أهل الفترات وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله حتى يبعث إليهم رسولا لأنه منزه عن الظلم. انتهى
وهذه المسألة ليست من مسائل الإجماع، فقد ذكر العلماء فيها أقوالا، فمن لم يقل بالامتحان لم تصح عنده هذه الروايات، قال ابن تيمية في الجواب الصحيح: ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات فهؤلاء فيهم أقوال أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة فيبعث الله إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب وإن عصوه استحقوا العقاب. انتهى.
وبهذا القول تجتمع الأدلة ولا تتعارض، قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل: وهذا التفصيل يذهب الخصومات التي كَره الخوضَ فيه لأجلها من كرهه، فإن من قطع لهم بالنار كلهم جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنة كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله. انتهى
المقالات

