الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحداث هامَّة في السَنة الخامسة للهجرة النبوية

أحداث هامَّة في السَنة الخامسة للهجرة النبوية

أحداث هامَّة في السَنة الخامسة للهجرة النبوية

السَنة الخامسة مِنَ الهجرة النبوية كغيرها مِنْ حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته المُشرفة وقع فيها الكثير مِنَ الأحداث الهامة، الجديرة بمعرفتها والاستفادة مِنْها، ومِنْ ذلك:

1 ـ غَزْوَةُ دُومة الجَنْدل: في ربيع الأول مِن السنة الخامسة مِنَ الهجرة النبوية بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بدومة الجندل ـ على بُعد 600 كيلو مترًا شمال المدينة النبوية ـ جَمْعا كبيرا مِنَ الناس، وأنهم يظلمون مَنْ مرّ بهم، ويريدون أن يقتربوا مِنَ المدينة المنورة، فندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا في ألف، واستخلف على المدينة سِباع بن عُرْفُطة الغفاري، وكانوا يسيرون الليل، ويكمنون النهار، ومعهم هادٍ خرّيت (يعرف الطريق) يقال له "مذكور"، فلما علم أهل دومة الجندل خافوا وتفرقوا، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد أحدا، فأقام بها أياما، وبثّ السرايا والعيون فأصاب محمد بن مسلمة رجلا منهم، فأتى به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أصحابه، فقال: هربوا أمس، فعرض عليه الإسلام فأسلم، ورجع رسول الله إلى المدينة بعد أن غاب عنها شهرا كما ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية".. وقد حققت غزوة دومة الجندل أهدافاً عديدة، فكانت استعداداً لمعارك شديدة قادمة، وتهيئةً لسير الجيوش الإسلامية للفتوحات العظيمة في بلاد آسيا وإفريقيا فيما بعد، وكانت كذلك للإعلان عن قوة المسلمين وعالمية دعوتهم، وقد رأى بعض المؤرخين كالذهبي والواقدي وغيرهما أن من أهداف تلك الغزوة إرهاب الروم الذين تقع المنطقة التي وصل النبي صلى الله عليه وسلم إليها بجيشه على حدودهم، ولهذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة في ألف من أصحابه..

2 ـ وفد مُزَينة: في رجب مِنَ السَنة الخامسة من الهجرة النبوية قدم وفد مُزَيْنَة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عددهم أربعمائة رجل، وهذا الوفد يُعتبر أول الوفود التي قدِمت المدينة المنورة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها. قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "كان أول مَنْ وفَدَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مُضَر (من أكبر وأشهر القبائل العربية في الجاهلية) أربعمائة من مُزَيْنَة (بطن وقبيلة مِن مُضر)، وذلك في رجب سنة خمس، فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم وقال: أنتم مهاجرون حيث كنتم، فارجعوا إلى أموالكم".. وقد حدثت مع وفد مزينة معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم. عن دُكَيْن بن سعيد المزني رضي الله عنه قال: (أتَينا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعون وأربعُمائة نسأله الطعامَ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: قُمْ فأعطِهم، قال: يا رسول الله ما عندي إلَّا ما يقيظُني والصِّبية (القَيظ في كلام العرب أربعةُ أشهر)، قال: قُمْ فأعطهم، قال عمر: يا رسول الله سمعاً وطاعة، قال دكين: فقام عمر وقمنا معه، فصعد بنا إلى غرفة له فأخرج المفتاح مِنْ حجزته (معقد الإزار) ففتح الباب فإذا في الغرفة من التمر شبه الفصيل (ولد الناقة إذا فصل عن أمه) الرابض (الجالس) فقال: شأنكم (خذوه وافعلوا ما تروه به)، فأخذ كل رجل منا ما شاء، ثم التفَتُّ وكنتُ من آخر القوم، وكأنّا لم نرزأ (ننقص) منه تمرة) رواه أحمد في مسنده، والبيهقي في "دلائل النبوة" وغيرهما.
وعاد وفد مزينة إلى بلادهم مزودين بالإيمان والتمر، وقد رأوا بأعينهم دليلاً من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ومُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِه، في تكثير التمر القليل الذي أخذوا منهم ما يكفيهم وما يحبون ـ وقد كان عددهم أكثر من أربعمائة ـ وبقي كما هو لم يُنقص منه شيء..

3 ـ غزوة بني المصطلق (المُرَيْسِيعِ): في شعبان مِنْ هذه السَنة كانت غزوة بَني المصطَلِق، وتُسمَّى أيضًا غزوة المُرَيْسِيع باسم الماء الذي لَقِيَهم عندَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.. وسببها أنه لما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن أبي ضرار- رأس وسيد بني المصطلق ـ سار في قومه، وبعض مَنْ حالفه مِنَ العرب، يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ابتاعوا خيلاً وسلاحاً، واستعدوا للهجوم على المدينة. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بُريدَة بْن الْحصَيب الْأَسْلَمِيّ ليستطلع له خبر القوم، فرجع بريدة وأكد للنبي صلى الله عليه وسلم صحة هذه الأخبار.. فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج إليهم في سبعمائة مقاتل وثلاثين فرسا، وحيث إنهم كانوا ممن بلغتهم دعوة الإسلام، وكانوا قد شاركوا في غزوة أُحد ضمن جيش المشركين، أغار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: (أغار النبي صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارُّون (غافلون)، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتَهم (الرجال البالغين).. وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث) رواه البخاري.
جُوَيرية بنت الحارث
رضي الله عنها تَزوَّجَها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لاحقًا، وكان أَبُوها سيِّدَ قَومه.. وغزوة بني المصطلق (المريسيع) من الغزوات الفريدة المباركة التي أسلمت عقبها قبيلة بأسرها، وكان زواج النبي صلى الله عليه وسلم بجويرية رضي الله عنها السبب في ذلك، إذِ استكثر الصحابة رضوان الله عليهم على أنفسهم، أن يكون أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت أيديهم أسرى، فأعتقوهم جميعا، وهذه صورة من صور الحب والأدب من الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أدت إلى إسلام القبيلة كلها. قالت عائشة رضي الله عنها: (فما رأيْنا امْرَأة كانت أَعْظم بَرَكَة عَلَى قوْمها مِنْها، أُعْتِقَ في سَبَبِهَا مِائَةُ أَهْل بَيْتٍ مِنْ بني الْمُصطَلِق) رواه أبو داود.
4 ـ حادثة الإفك: في مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق افترى المنافقون على أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها حديث الإفك فأنزل الله عز وجل براءتها في القرآن الكريم، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(النور:11). وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما حادثة الإفك وملخصها كما وردت في كتب الحديث والسيرة: أن المنافقين استغلوا حادثة وقعت لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في طريق العودة من غزوة بني المصطلق، حين نزلت مِن هودجها لبعض شأنها، فلما عادت افتقدت عقدا لها، فرجعت تبحث عنه، وحمل الرجال الهودج ووضعوه على البعير وهم يحسبون أنها فيه، وحين عادت لم تجد الرَكْب، فمكثت مكانها تنتظر أن يعودوا إليها بعد أن يكتشفوا غيابها، وصادف أن مر بها أحد أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو صفوان الْمُعَطَّل السُّلَمِيّ رضي الله عنه، فحملها على بعيره، وأوصلها إلى المدينة.. فاستغل المنافقون هذا الحادث، ونسجوا حوله الإشاعات الباطلة، وتولى ذلك عبد الله بن أبي بن سلول (رأس المنافقين)، وأوقع في الكلام معه ثلاثة من المسلمين، هم مِسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحَمنة بنت جحش.. فاتُهِمت ـ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وافْتُرِيَ عليها بالإفك، وقد ظهر في هذه الحادثة فضل عائشة رضي الله عنها، فقد برأها الله عز وجل من الإفك بقرآن يُتلى إلى يوم القيامة، يتعبد المسلمون بتلاوته، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُم}(النور:11)، وقد كانت رضي الله عنها تقول كما روى البخاري في صحيحه: "ما كنتُ أظن أن الله منزل في شأني وحْيَاً يُتلى"..

5 ـ غزوة الأحزاب: في شوال من هذه السنة الخامسة للهجرة النبوية تجمع حول المدينة المنورة محاصرا لها عشرة آلاف مقاتل مشرك مِنْ قريش وغطفان وبني سليم وغيرهم بقيادة أبي سفيان، وكان المسلمون حينئذٍ في حال شديدة من الجوع الشديد، والبرد القارص، والعدد القليل.. إضافة إلى غدْرٍ من اليهود، وتخويفٍ وإرْجافٍ من المنافقين، وقد وصف الله عز وجل حال المسلمين حينئذ بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً}(الأحزاب 11:9). قال ابن كثير: "يقول تعالى مخبرا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين، في صرفه أعداءهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح". وقال السعدي: "يذكر تعالى عباده المؤمنين، نعمته عليهم، ويحثهم على شكرها، حين جاءتهم جنود أهل مكة والحجاز، من فوقهم، وأهل نجد، من أسفل منهم، وتعاقدوا وتعاهدوا على استئصال الرسول والصحابة، وذلك في وقعة الخندق. ومالأتهم (ساعدتهم وناصرتهم) طوائف اليهود، الذين حوالي المدينة، فجاءوا بجنود عظيمة وأمم كثيرة..{وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا} بالخوف والقلق، والجوع، ليتبين إيمانهم، ويزيد إيقانهم، فظهر ـ ولله الحمد ـ من إيمانهم، وشدة يقينهم، ما فاقوا فيه الأولين والآخرين".
ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بزحف الأحزاب إلى المدينة، وعزمهم على حرب المسلمين، استشار أصحابه، وقرروا بعد الشورى التحصن في المدينة والدفاع عنها، وأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه اعتمادا على خبرته في حرب الفُرس، بحفر خندق حول المدينة وقال: "يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا". فوافقه وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على رأيه، وأمر بحفر الخندق حول المدينة.. فقام المسلمون وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمهمة الشاقة في حفر الخندق، ورغم طوله الذي بلغ خمسة آلاف ذراع، بعرض تسعة أذرع، وعمق يقرب من عشرة أذرع، فقد تم إنجازه في سرعة مذهلة. وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بالحفر مع أصحابه وهو يقول، تسلية لهم ليُهون عليهم ما هم فيه من شدة وبلاء وجوع:
"اللهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْاَخِرَةْ، فاغْفِرْ لِلْأَنْصارِ والْمُهاجِرَةْ"، ويَقُول أيضًا صلى الله عليه وسلم:
اللهُمَّ لَوْلا أَنْتَ ما اهْتَدَيْنا وَلا تَصدَّقْنا وَلا صَلَّيْنا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنا وَثَبِّتْ الْأَقْدامَ إِنْ لاقَيْنا
والمسلمون يردوا عليه قائلين:
نحن الذين بايعوا محمدا على الإسلام ما بقينا أبدا
وقد أعطى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب ـ وغيرها من الغزوات ـ القدوة العملية في مشاركته لأصحابه التعب والعمل، والآلام والآمال.. وعلى الرغم من أن معركة وغزوة الأحزاب لم يحدث فيها قتال شديد، وقتلى المؤمنين والكفار يعدون على الأصابع، إلا أنها كانت من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام والمسلمين، وكانت ابتلاءً وامتحاناً، وتمييزاً بين المؤمنين والمنافقين، وكانت غزوة فاصلة بين مرحلتين رئيستين من مراحل الحياة للدولة الإسلامية في المدينة المنورة، فقد قال صلى الله عليه وسلم بعد انتهائها: (الآنَ نَغْزُوهم ولا يَغْزوننا، نَحْن نسِير إليهِم) رواه البخاري.

6 ـ غزوة بني قريظة: في ذي القعدة من هذه السَنة وقعت غزوة بني قريظة. وبنو قريظة صنف من اليهود كغيرهم ممن نقضوا العهود، وخانوا المسلمين في أصعب الظروف، وتآمروا مع الأحزاب، غير مكترثين بما اتفقوا عليه مع المسلمين.. فالغدر ونقض العهود والمواثيق خُلق نشأ عليه اليهود، فلا يستطيعون فراقه، كما وصفهم الله عز وجل: {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}(البقرة:100). عن عائشة رضي الله عنها قالت :(لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل ـ عليه السلام ـ فقال: قد وضعتَ السلاح، والله ما وضعناه، فاخرج إليهم، قال: فإلى أين؟ قال: هاهنا وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم) رواه البخاري. وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بسرعة الخروج إليهم قبل أن يتحصنوا بالحصون ويأخذوا العُدة لذلك، حتى قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (ألا لا يُصلين أحَد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم) رواه البخاري. فأسرع ثلاثة آلاف من المسلمين إلى يهود بني قريظة، وحاصروهم في حصونهم خمسا وعشرين ليلة، حتى أتعبهم الحصار، وقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فلم يجد اليهود مفراً، ولم يجدوا ما يعتذرون به عن خيانتهم التي كادت تهلك المسلمين.. وبالقضاء على بني قريظة خلت المدينة تماما من الوجود اليهودي، الذي كان عنصراً خطراً لديه القدرة على المؤامرة والكيد والمكر، وانتهى حلم قريش في وجود حليف لها داخل المدينة المنورة..
7 ـ وفاة سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن لوفاته: سعد بن معاذ رضي الله عنه صحابي جليل، أسلم وهو في الثلاثين من عمره على يد مصعب بن عُمير رضي الله عنه الذي أوفده النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة قبل الهجرة النبوية، ولما أسلم سعد رضي الله عنه قال لقومه: "يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلا، وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلامكم عليّ حرام، رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله"، فما بقيَ في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا، فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام.. وفي ذي الحجة من هذه السنة الخامسة من الهجرة النبوية تُوفي سعد بن معاذ رضي الله عنه، وهو في السابعة والثلاثين من عمره بعد غزوة الخندق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودُفن بالبقيع، ورغم قِصر عمره فقد حفلت حياته منذ إسلامه بمآثر كثيرة، واستبشر أهل السماوات بقدومه، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عرش الرحمن اهتز لوفاته، وشهد جنازته سبعون ألف ملك. عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ) رواه البخاري ومسلم.

إن معرفة ودراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أمْرٌ مِن الأهمية بمكان، ولقد كان السلف يُقدرون لها قَدْرها، ويحفظونها كما يحفظون السورة مِن القرآن الكريم، ويتواصون بتعلمها وتعليمها لأبنائهم، فكان علي بن الحسين رضي الله عنه يقول: "كنا نُعلَّم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن". وتزداد أهمية معرفة ودراسة السيرة النبوية لأنها لا تتناول رجلاً عاديا، بل إنها دراسة لسيرة وحياة أعظم مخلوق وأفضل نبي وُجِد على ظهر هذه الأرض إلى يوم القيامة ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ..

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة