الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

معجزات الخبر النبوي بغربة الإسلام

معجزات الخبر النبوي بغربة الإسلام

 معجزات الخبر النبوي بغربة الإسلام

الإخبار بالمغيبات من وجوه الإعجاز التي تضمنتها نصوص السنة النبوية، وهي من دلائل النبوة التي أثبتها الحس المشاهد، كونه يخبر عن أمور لا يمكن التنبؤ بها في زمنه، كالإخبار عن تغيرات اجتماعية وظواهر علمية ستحصل آخر الزمان، منها إخباره عن ظهور الترف والمباهاة في البناء، وكثرة الفساد، وضعف الدين، وإخباره عن حوادث لا يمكن الإحاطة بها إلا بوحي مصدق، كعلامات الساعة، ومن ذلك إخباره عن عودة الإسلام غريبا في آخر الزمان كما كان في أوله غريبا لا يحمله إلا آحاد الناس، وفي ذلك من وجوه الإعجاز الشيء العجيب.

في الصحيحين عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ، ‌فطوبى ‌للغرباء ". وفي رواية: "‌ فطُوبى ‌للغرباء الذين ‌يُصلحون ما أفسدَ الناسُ من بعدي من سُنَّتي ". أي: يعملون بها، ويُظهرون الدِّينَ بقَدر طاقتهم. وفي رواية: فقيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال
" ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ". وفي رواية: " من يبغضهم أكثر ممن يحبهم " رواه الإمام أحمد في المسند.

إخباره صلى الله عليه وسلم عن عودة هذا الدين غريبا في آخر الزمان، وما يحمل هذا الخبر من مضامين كثيرة، من أهمها قلة المتمسكين بالدين، وغلبة الجهل والشهوات، وحصول أسباب الضعف في المسلمين.

قال القاضي عياض في إكمال المعلم: وظاهر الحديث العموم وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضا كما بدأ. انتهى.

ووجه المعجزة في هذا الخبر أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك في وقت علو الإسلام واكتمال أصوله، وعزة أهله وغلبتهم على الجزيرة العربية، وكانوا ظاهرين على أعدائهم، فالمستمع يومئذ لا يتصور كيف ستعود غربة الإسلام وقلة أهله بعد أن كانوا قد تجاوزوا تلك المرحلة، كما هو حال المستمع اليوم حين يقال له إن المستقبل القادم سينتصر فيه المسلمون ويعود عز الإسلام وأهله في ظل ما يراه من واقع لا ينبئ بشيء من ذلك.

وحين نعرض هذا الكلام على الواقع اليوم نجد مصداق ما أخبر عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، من غربة أهل الإسلام بين المسلمين فضلا عن غيرهم، والأسباب التي أدت إلى هذه الغربة من قلة العلم بالإسلام، وضعف العمل بتعاليمه، وفشو المنكرات، وقلة المنكرين لها، وصرنا نقرأ سيرة المسلمين السابقين فننكر أحوالنا وما حصل بيننا وبينهم من التغير الكبير في المفاهيم والتصورات وفي الأعمال والممارسات، بما لا يدع مجالا للشك بصدق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وتحققه كما أخبر في زماننا الحاضر.

ومن وجوه الإعجاز في هذا السياق أنه صلى الله عليه وسلم حين أخبر عن غربة الإسلام أخبر بالمقابل عن بقاء طائفة من المسلمين على الحق، يصلحون ما أفسد الناس، وهذا حاصل وواقع في الحس المشاهد وفق الخبر النبوي الصادق، وهو علم من أعلام النبوة، إذ أننا نرى صورا من الثبات والتمسك بالحق رغم كثرة الصوارف عنه وغلبة أهل الباطل من حيث الظاهر، إلا أن هذه الطائفة ثابتة لا تفرط في شيء مما يرونه حقا ودينا، وربما كان الواحد منهم وسط بيئة عامة بعيدة عن الدين والفطرة فهو غريب في مجتمعه وعائلته وأنظمة الحياة التي حوله، والشهوات معروضة عليه من كل جانب، ومع ذلك لا يتزعزع عن التمسك بالحق والثبات عليه، وبالمقابل يقع أحدهم تحت سطوة التعذيب والإرهاب ويمارس عليه كل صنوف التنكيل المادية والمعنوية ورغم ذلك لا ينالون من دينه وإيمانه، وهذا تأويل الخبر الصادق الذي لا يتخلف.

ومن وجوه الإعجاز في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حق هؤلاء الغرباء: "فطوبى للغرباء" ومن معاني طوبى: الإخبار أو الدعاء لهم بقرة العين والسعادة والطمأنينة، وفي معنى طوبى أقوال أخرى ذكرها النووي في شرحه على مسلم، ومنها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معناه: فرح وقرة عين. فرغم وصفه لهم بأنهم غرباء، فالغربة تقتضي عكس ذلك من الشقاء والعناء وقلة الأعوان والموافقين، وبناء على المنطق المادي فإنهم سيفقدون سعادتهم وسكينتهم وطمأنينة نفوسهم، لكنه صلى الله عليه وسلم يبشرهم بأنهم سيكونون على سكينة وصلاح بال، وأن غربتهم ليست منقصة لهم بل هي سبب عزتهم وكرامتهم، والحال على وفق ذلك كما هو مشاهد، فإن المستمسكين بالدين على وجه الحقيقة هم أهنأ الناس بالاً، وأسعدهم نفسا، وأعزهم وأكرمهم حالا وإن كادت لهم الدنيا، وأن المفرطين بدينهم وإن دالت لهم الدولة، وصار لهم المال والغلبة، وغدوا على الشهوات والملذات إلا أنهم يعانون صنوفا من الشقاء النفسي والاضطراب الروحي، مغمورون في الذل والهوان في الدنيا والآخرة، والواقع ناطق بذلك طبقا للخبر النبوي المصدق.

ومن المضامين المهمة لهذا الخبر النبوي، وهو الجانب العملي الأهم في هذا الحديث، هو حث المسلمين على دفع الغربة عن الإسلام بتعلمه وتعليمه ونشره بين الناس، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجديد ما اندرس منه، فالحديث ليس خبرا قدريا محضا، بل فيه جانب شرعي تكليفي، وهو المشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم: " ‌فطوبى ‌للغرباء الذين ‌يصلحون ما أفسد الناس "، رواه الترمذي. فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يقصد مجرد الإخبار، وإنما يحث على القيام بحق الدين عليهم في زمن غربته من التمسك به وإظهاره، وإصلاح ما قدروا عليه، وفي ذات الوقت يحذر المسلم من أن يكون جزءا من مشروع تغريب الإسلام وتجهيل أهله، أو أن يشارك في محاربة المتمسكين به، فإن بعض المسلمين يقوم بدور سلبي في ذلك وهو يدري أو لا يدري فهو يساهم في تعزيز غربة الإسلام بين الناس.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن مظاهر تلك الغربة في أحاديث كثيرة، كقلة العلم، وانتشار الجهل، وكثرة الربا، وفشو الزنا، ورفع الأمانة، وعموم الحرام في المكاسب، واختلاط الأمور، وورود الفتن، وغيرها من مظاهر تلك الغربة وهي نبوءات صادقة لا تزال تتحقق شيئا فشيئا، وكل تلك الأخبار تتضمن تكليفا شرعيا بمدافعة ذلك وعدم الاستسلام للغلبة والكثرة، فالمسلم مكلف بالتزام الإسلام في كل زمان حتى في زمن الفتن وغربة الإسلام ولا يكون فساد الواقع عذرا له في أن يخوض فيما خاض فيه الناس، أو أن يجعل غلبة الشر عذرا في الولوج فيه، بل يكون حاله حال الغرباء الموصوفين في الحديث بأنهم يتمسكون بالصلاح في حق أنفسهم، ويحاولون إصلاح الواقع الذي أفسده المفسدون، فتلك فريضة المؤمن الذي امتدحه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة