الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المناجاة ليلة القدر

المناجاة ليلة القدر

المناجاة ليلة القدر
ليلة القدر أعظم ليالي شهر رمضان، بل هي أعظم ليالي السنة، جعلها الله سبحانه وتعالى خيرًا من ألف شهر، تتنزل فيها الملائكة بالسلام والبركة، ويستجيب الله فيها دعاء القانتين، ويمحو ذنوبهم، ويرفع درجاتهم، ويعتق رقابهم من النار. المناجاة والدعاء في هذه الليلة من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، حيث تتجلى فيها رحمات الله وعفوه، وأقرب ما يكون العبد فيها إلى ربه حالةَ دعائه ومناجاته.
فضل ليلة القدر
ذكر الله تعالى ليلة القدر في سورة كاملة، فقال: (إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ (1) وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ (2) لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ (3) تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ (4) سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ (5)) [القدر: 1-5]. قال ابن كثير: "عن مجاهد في قوله: ‌سلام ‌هي قال: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا أو يعمل فيها أذى". وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في فضلها: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه البخاري.
من أدعية المناجاة ليلة القدر
صحَّ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ إنْ علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدْرِ ما أقولُ فيها؟ قال: قولي: اللَّهمَّ إنَّكَ عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي» رواه الترمذي. قال العلماء: ومعنى (العفو) الترك، ويكون بمعنى الستر والتغطية، فمعنى (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني). أي: اترك مؤاخذتي بجُرمي، واستر عليَّ ذنبي، وأذهب عني عذابك، واصرف عني عقابك. وهذا دعاء عظيم يجمع بين طلب العفو والرحمة، وهو من أعظم الأدعية التي ينبغي الإكثار منها في هذه الليلة المباركة.
آداب المناجاة ليلة القدر
1. الإخلاص والخشوع: يجب أن تكون المناجاة نابعةً من القلب، بإخلاص وخشوع، مع استشعار عظمة هذه الليلة، ورجاء القبول من الله تعالى. قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) {البقرة: 186}.
2. الإكثار من الاستغفار والتوبة: من الأمور التي ترفع الدرجات وتُمحى بها الذنوب، الإكثار من الاستغفار والتوبة في هذه الليلة، فقد قال الله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) {النساء: 27}.
3. الدعاء لنفسك وللمسلمين: ينبغي للمسلم أن يدعو لنفسه ولأهله ولإخوانه المسلمين، خاصةً بما ينفعهم في دينهم ودنياهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكَّل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكَّل به: آمين، ولك بمثل» رواه مسلم.
من الدعاء ليلة القدر:
أن يدعو المصلي بما صحَّ عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه فعله أو حضَّ عليه، كقوله لعائشة رضي الله عنها أن تقول: «اللَّهمَّ إنَّكَ عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي».
ومن ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تهجَّد من الليل قال: «اللهم ربنا لك الحمد أنت قيّم السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم: لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك خاصمت، وبك حاكمت، فاغفر لي: ما قدمت، وما أخرت، وأسررت، وأعلنت، وما أنت أعلم به مني، لا إله إلا أنت» رواه البخاري.
ومن الأدعية الجامعة:
قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات» رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، ومن شر فتنة الغنى، ومن شر فتنة الفقر، وأعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونقِّ قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم» متفق عليه.
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم: «يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جَهْد البلاء». وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} (البقرة:201).
4. الإكثار من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب قبول الدعاء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل دعاء محجوب حتى يُصلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم» رواه الطبراني.
ليلة القدر فرصة عظيمة لنيل المغفرة والرحمة، وهي ليلة تتجلى فيها أسماء الله الحسنى، خاصةً العفو، الغفور، الكريم، التواب. فمن أحسن استغلالها بالدعاء والمناجاة، فقد فاز بالخير العظيم. فليحرص الصائم على إحياء هذه الليلة بالطاعة، وليرفع أكف الدعاء إلى الله بقلب خاشع، سائلًا منه القَبول والمغفرة.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة