كثير من الناس تمضي بهم الأعمار وهم عالقون على أرصفة الذكريات المؤلمة؛ تكبل مسيرهم، وتسود يومهم، ومستقبلهم ، تتوه قواربهم في بحر الحياة، لا لأن الرياح عاتية دائمًا، بل لأنهم أصبحوا أسرى ماض يقيدهم، وسلّموا الدفّة لليأس، وتركوا المجاديف تسقط من أيديهم، واكتفوا بالأنين والشكوى، ولوم الظروف.
وهؤلاء يستحقون الشفقة لا لأنهم ضعفاء، بل لأنهم لم يدركوا بعد أن الحلول التي يفتشون عنها في الخارج كامنة في أعماقهم.
لا شك أن الأزمات حاضرة في حياة الإنسان؛ شدائد تضيق بها الصدور، ومحن يظن المرء معها أن الليل لن ينقضي، غير أن التجربة الإنسانية، قديمها وحديثها، تخبرنا أن أقسى العواصف تمرّ، وأن ما حسبناه جبلًا راسخًا يتلاشى مع الزمن كأن لم يكن.
إنما تبقى العقبة الأخطر: تلك التي يصنعها الإنسان بيديه حين يعيش الكبوة بلا استفاقة، ويطيل الوقوف بلا حراك، ويؤجل القرار، ويؤثر الانتظار على الفعل، ولعل أصدق ما قيل في هذا السياق: "الموت ليس الخسارة الكبرى، خسارتنا الأكبر هي الأشياء التي تموت بداخلنا ونحن على قيد الحياة".
إن الاستغراق في الذكريات المؤلمة، دون وعي أو غاية، يصنع ما يمكن تسميته بـالذاكرة البائسة؛ ذاكرة تحجب عنك جمال الحياة، وتغذي فيك الأسف، والشفقة على الذات، حتى تصير سجينًا لأحزانك، لا ضير في أن نتعلم من الألم، بل الضرر كل الضرر في أن نجعله وطنًا دائمًا.
الحزن لا يدوم، والغمام لا بد أن تنقشع، فلا تحمل نفسك همومًا أكبر من مقاسها، ولا تُشيخ روحك قبل أوانها، كن اليد الحانية على نفسك، واستمد قوتك من الداخل، لا من انتظار الآخرين، تعلّم مهارة النسيان الواعي: احتفظ بالدروس، وتخلّص من السموم، ودع للأيام حقّها في التجدد.
الانتظار الطويل:
الانتظار حين يتحول إلى نمط حياة، يصبح شريطًا لا متناهيًا من تكرار الخيبات، نؤجل أحلامنا إلى غدٍ لا يأتي، ونعلّق شجاعتنا على فرصة لم تطرق الباب بعد، فنجد أنفسنا على هامش الحياة، في سباتٍ مظلم يدور إلى ما لا نهاية، لا ندري ماذا ننتظر حقًا: أهي لحظة مثالية؟ أم قرار ناضج؟ أم يد تمتدّ لتفعل عوضًا عنا؟ والحقيقة المؤلمة أن الحياة لا تمنح شيئًا لمن لا يبادر، ولا تكافئ من جعل الانتظار مهنته الدائمة.
إن بعض الحروب، والمشاق التي نخوضها في حياتنا، وإن أوجعتنا، فإنها تنضجنا وتعلّمنا، والخطأ ليس في السقوط، بل في الارتهان له، فلا تقسو على نفسك حتى تفقد ذاتك، ولا تظلم روحك بتأجيل النهوض، واعلم يقينًا أن أكثر الناس اهتمامًا بك هو أنت، وأن طول الانتظار لا يزيد الجراح إلا عمقًا.
استنزاف الروح:
ومن أوجه الانتظار المؤلمة أن ينتظر الإنسان تقديرًا من علاقة واهية، أو وفاءً ممن لا يعرف معنى الوفاء، كم من أرواح استُنزفت لأنها اختارت أن تعيش دور الممثل، تتغافل عن الإهانة، وتبرر الاستغلال، خوفًا من فقدان شخص لا يرى فيك إلا وسيلة، تلك علاقة التي تعيش فيها ضحية باسم الوفاء الخادع أو الصداقة الحمقاء.
لقد قيل بحق: "قلوب الناس ليست جنة، فلا تتعب نفسك بالبقاء فيها".
الحب والوفاء الحقيقي لا يقوم على الإذلال، والصداقة الصادقة لا تعرف الاستغلال، ومن الغباء أن تمنح بلا حدود لمن يهين صدقك، ويستنزف أخلاقك، ثم تغمض عينيك كي لا تخسره، وأنت تخسر نفسك في المقابل.
قبل أن تفتش عن الحب في قلوب الآخرين، تعلّم أن تعمل لخلاص نفسك، وأن تصالحها، وتناصحها قبل أن تهادن العالم، افتح قلبك لمن يحبك بصدق، وكن وسطًا في عطائك: رحيمًا بلا ضعف، قويًا بلا قسوة، لا تبكِ على من لا يبكي عليك، وإن عجزت عن الحب فليكن الاحترام حدّك الأدنى.
وتعلّم من جراحك دون أن تتحول إلى جلّاد للآخرين. لا تجعل الانتقام هدفًا، ولا تتمنّى الأذى لمن آذاك؛ بل قف مع نفسك بصدق وقل: لن أسمح بعد اليوم أن ينهش أحد بقايا روحي، وفي الوقت ذاته، تذكّر أن بعض من حولك قد يعانون بصمت، وأن كلمة صادقة أو استماعًا رحيمًا قد يكون شفاءً لا توفره الأدوية.
لا تنتظر:
اخرج من قيود الخوف، واكتشف شغفك، وافتح عينيك للأحلام، فغدًا يوم جديد، وقد تكون أنت فيه شخصًا جديدًا إن قررت ذلك اليوم، ازرع في حياتك بذور الأمل، وامضِ في طريقك صادقًا، نقيّ القلب، كريم العطاء بلا منّ، كن إنسانًا لا يُكسر بسهولة، وقلبًا يمرّ بسلام على الدنيا.
لا تطل الانتظار؛ فالحياة لا تنتظر أحدًا، كن أنت البداية، وكن أنت القرار، وكن المنقذ الذي طالما حسبت أنه سيأتي من بعيد، عندها فقط، ستجد أن الحياة – حين تُعاش بشجاعة – تميل إلى من يعشقها، وتفتح ذراعيها لمن اختار أن يحيا لا أن ينتظر.
وتذكر دوماً أن الحياة تزدان بالإيمان، وتتجمل بالبر والإحسان:
{ مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ}(النحل ــ97).
المقالات
الأكثر مشاهدة اليوم

