الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي

إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي

إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي

عن أنسٍ -رضي الله تعالى عنهُ- قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قالَ اللَّهُ تَعالى: يا ابن آدَمَ! إَّنكَ ما ‌دَعَوْتَنِي ‌وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ ما كانَ منك ولا أُبالي، يا ابن آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لك، يا ابن آدَمَ! لَوْ أتَيْتَنِي بقرابِ الأرضِ خطايَا، ثُمَّ أتَيْتَنِي لا تُشركُ بِي شَيْئاً لأتيتكَ بقُرابها مَغْفِرَةً). قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.

هذا حديث قدسي كريم، طيب مبارك، فيه بشارة عظيمة، وحلم وكرم عظيم، وما لا يحصى من أنواع الفضل والإحسان، والرأفة والرحمة والامتنان.
وقد تضمن الحديث ثلاثة من أسباب حصول المغفرة، ذكرها الله لعباده، يفتح لهم بها أبواب العفو والصفح:

أولها: الدعاء مع الرجاء
قال تعالى: (يا ابن آدَمَ! إَّنكَ ما ‌دَعَوْتَنِي ‌وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ ما كانَ منك ولا أُبالي).
المقصود بابن آدم هنا: المسلم في أي زمن كان، وهو من آمن بالله واتبع رسول زمانه، وبعد مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، هم أتباع رسول الله المؤمنون به.
وقد يراد بالدعاء مطلق الدعاء، فإنه علامة العبودية والتذلل لله، والتعظيم للمعبود، وانكسار العبد ببيان الفاقة والحاجة إلى مولاه، فإذا صاحبه الرجاء ـ وهو حسن الظن بالله سبحانه ـ كان أيضا علامة على اليقين بقدرة الله، وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وأنه على كل شيء قدير.. فهذا الإيمان واليقين سبب لمغفرة الله لصاحبه.
وقد يراد بالدعاء الدعاء الخاص بالمغفرة، مع رجاء القبول من الله، وهو ما ذهب إليه أكثر العلماء في شرح الحديث.

وهذا الجزء من الحديث فيه بيان أن الدعاء من أعظم أبواب المغفرة، ومعلوم أن الدعاء من أفضل العبادات، وأجل القربات، وقد جاء في حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدعاء هو العبادة ثم تلا هذه الآية {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعُونِى أَستَجِب لَكُم}[رواه أصحاب السنن].

والدعاء مأمور به، ومرغب فيه، وموعود عليه بالإجابة، بنص الآية السابقة وبقوله تعالى أيضا: {وِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة:186].
وعند الطبراني مرفوعا: (من أعطي الدعاء أعطي الإجابة؛ لأن الله تعالى يقول: {أُدعُونِى أَستَجِب لَكُم}، وعنده أيضا في حديث آخر: (ما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الإجابة).
ومعروف ومشهور قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم): "إذا أراد الله بعبد خيراً ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعل استعانته ودعاءه سبباً للخير الذي قضاه له".
وقال ابن القيم في (الفوائد): "إذا كان كل خير أصله التوفيق ـ وهو بيد الله لا بيد العبد ـ فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه، فمتى أعطى الله العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضلّه عن المفتاح بقي باب الخير مرتجا دونه". اهـ.
وقال في (عدة الصابرين): "من أعطي منشور الدعاء أعطي الإجابة، فإنه لو لم يرد إجابته لما ألهمه الدعاء، كما قيل: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... من جود كفك ما عودتني الطلبا.

فإذا اجتمع الدعاء مع حسن الظن بالله ومع عظم الرجاء والطمع في الإجابة، وتوفرت شرائط القبول، وانتفت موانع الإجابة، فمثل هذا لا يكاد يرد، وفي الحديث القدسي: (أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بِي فَليَظُنَّ بِي مَا شَاءَ)أخرجه أحمد، وفي الحديث النبوي قال صلى الله عليه وسلم: (ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، وإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه) {الترمذي].. وعند الترمذي أيضا: (لا يقولُ أحدُكم اللَّهمَّ اغفِر لي إن شِئت، اللَّهمَّ ارحَمني إن شِئت، ليعزِم المسألةَ فإنَّه لا مُكرِه لهُ).

فمن دعا الله أجابه، ولكن تتنوع صور الإجابة حسب علم الله وحكمته، ورحمته بعبده ولطفه، لكن لا يخلو دعاء من إجابة، فإما أن يعطى العبد ما سأل، وإما أن يصرف عنه من السوء مثله، أو أن يدخر له في الآخرة، كما في الحديث: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ! قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ). رواه أحمد وصححه الألباني.
قال ابن عبد البر في (التمهيد): فيه دليل على أنه لا بد من الإجابة على إحدى هذه الأوجه الثلاثة. اهـ.
وقال ابن حجر في (الفتح): "كل داع يستجاب له، لكن تتنوع الإجابة: فتارة تقع بعين ما دعا به، وتارة بعوضه". اهـ.

فمن أراد أن يغفر الله له فليكثر من دعاء ربه، ويحسن الظن بخالقه، وليدع الله وهو موقن بالإجابة.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة



الأكثر مشاهدة اليوم

خواطـر دعوية

التوحيد.. فضائل وثمرات

أعظم حقيقة أشرقت عليها الشمس، وأسمى غاية وجدت لأجلها الحياة، هي توحيد الله جل في علاه.. كما أن أصدق كلمة في هذا الوجود...المزيد