الخطبة الأولى
الحمد لله الذي دلَّ على نفسه بآياته، وأقام الحجة على عباده بخلقه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً قامت بها السماوات والأرض، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى توحيده، والهادي إلى صراطه المستقيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله نورٌ في القلوب، وثباتٌ في الفتن، ونجاةٌ يوم العرض الأكبر. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} [الحشر: 18]. {وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} [البقرة: 281]. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [المائدة: 35].
أما بعد
أيها المؤمنون: إن أعظم ما يحتاج إليه العبد في زمن الفتن وكثرة الشبهات أن يرسخ يقينه بالله عز وجل، فإن اليقين هو الذي يثبت القلوب، ويهدي العقول، ويصون الفطرة من الانحراف. وإن الإيمان بوجود الله تعالى ليس قضيةً فلسفية مجردة، ولا مسألةً نظريةً محضة، بل هو حقيقة مستقرة في أعماق النفوس، دلَّت عليها الفطرة، وأكدها العقل، وشهد بها الكون كله، ومن أول ما يدل على وجود الله تعالى: الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فكل إنسان في أصل خلقته مفطور على الإقرار بربه، والتوجه إليه عند الشدة، واللجوء إليه عند الضيق. قال الله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه) متفق عليه.
عباد الله: تأملوا حالَ الإنسان إذا انقطعت به الأسباب، وأغلقت في وجهه الأبواب، وأحاطت به المخاوف من كل جانب، فلا مالٌ ينفعه، ولا جاهٌ يحميه، ولا قريبٌ يُغيثه؛ حينئذٍ لا يتوجه قلبه إلا إلى الله تعالى، ولا يرفع يديه إلا إلى السماء، ولو كان قبل ذلك معرضًا غافلًا. انظروا إلى المريض إذا أعياه الطب، وتخلّى عنه الأطباء، كيف يقول: يا رب، يا رب، وانظروا إلى الغريق إذا تلاطمت به الأمواج، واضطربت به السفينة، كيف ينسى كل معبودٍ باطل، ولا يبقى في قلبه إلا ربٌّ واحدٌ يتوجه إليه. وانظروا إلى من داهمه الخطر فجأة، كيف تسبق كلمة "يا الله" لسانه قبل أن يفكر أو يتدبر. إنه نداء الفطرة، وصوت القلب حين تُزال الحجب، وتنكشف الغشاوة. وقد أخبر الله سبحانه عن حال المشركين –وهم أبعد الناس عن التوحيد في الرخاء– : {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [العنكبوت: 65]. أي: إذا أحاطت بهم الأخطار، وانقطعت بهم الحيل، عادوا إلى الفطرة الأولى، ونسوا أوثانهم وأصنامهم، وأخلصوا الدعاء لله وحده. فسبحان من جعل في القلوب شاهدًا عليه، لا يستطيع الإنسان أن يمحوه، ولا أن يلغيه، مهما جادل أو كابر. هذه شهادة الفطرة، وهي برهان داخلي لا يحتاج إلى فلسفةٍ معقدة، ولا إلى مناظرات طويلة؛ لأن القلب في ساعة الصدق أبلغ من ألف دليل، ومن هنا نعلم أن الإيمان بوجود الله ليس طارئًا على الإنسان، بل هو مركوزٌ في أعماقه، وأن الانحراف طارئ، وأن الفطرة إذا سَلِمت عادت إلى ربها طوعًا، وإذا كُدِّرت عادت إليه اضطرارًا.
أيها المسلمون: إن العقل السليم يؤكد ما شهدت به الفطرة، فإن هذا الكون العظيم لا يمكن أن يوجد بلا خالق، ولا يمكن أن يخلق نفسه، ولا يمكن أن يكون وُجد صدفةً عمياء لا قصد لها ولا حكمة. قال الله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35]. أي: أَوُجِدوا من غير موجد؟ أم أوْجَدوا أنفسهم؟ وهذان الاحتمالان كلاهما باطل عقلًا، فلا يُعقل أن يوجد الشيء من غير سبب، ولا يُعقل أن يخلق الشيء نفسه؛ لأن الشيء قبل وجوده معدوم، والمعدوم لا يفعل ولا يؤثر، ومن تأمل وجد أن هذا العالم كان معدومًا ثم وُجد، وما كان بعد أن لم يكن، لا بد له من موجد أوجده، أخرجه من العدم إلى الوجود.
عباد الله: إن من أعظم الأدلة العقلية على وجود خالق لهذا الكون: أن هذا العالم متغيّر، والتغيّر علامة الحدوث؛ فالليل يعقب النهار، والنهار يتلو الليل، والصحة تعقب المرض، والقوة يتبعها الضعف، والحياة يعقبها الموت، والتغيّر انتقال من حال إلى حال، وكل ما ينتقل ويتبدل لا يكون أزليًّا قائمًا بنفسه، بل لا بد له من مغير يُصرّفه، ومدبّر يُقلّبه، وحكيمٍ يُجري عليه سننه. قال الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]. فالاختلاف، والتعاقب، والدقة في النظام، كل ذلك شاهد على أن وراء هذا الكون إرادةً حكيمة، وقدرةً مطلقة، وعلمًا محيطًا. قال سبحانه: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10]. أي: أيجوز أن يُشك في وجود من أوجد هذا الكون وأتقنه؟ أيجوز أن يُشك في وجود من أجرى الشمس في فلكها، والقمر في مداره، والنجوم في نظامها، وجعل لكل شيء قدرًا وحدًّا؟
أيها المؤمنون: لو رأيتم بناءً شامخًا محكم الأركان، ما خطر ببال أحدكم أنه قام بلا بانٍ، ولو قرأتم كتابًا منظمًا، ما خطر ببالكم أنه كُتب بلا كاتب، فكيف بهذا الكون الأعظم، وهذا النظام الأضبط، وهذا الإحكام الأدق؟ إن العقل الذي يقبل أن يوجد هذا الكون بلا خالق، هو عقل يعاند بداهته، ويكابر فطرته، ويهرب من مقتضى البرهان، ومع ذلك فإن دليل العقل على إثبات الخالق ليس ضد الإيمان، بل هو مؤيد له، وموصل إليه، ودافع إلى التسليم لرب العالمين، ولذلك جمع الله بين الفطرة والعقل في مواضع كثيرة، ليقوم البرهان من داخل النفس ومن خارجها، فلا يبقى لمعتذر عذر، ولا لمكابر حجة.
أيها المؤمنون: انظروا إلى هذا الكون، إلى انتظام الشمس والقمر، إلى تعاقب الليل والنهار، إلى دقة خلق الإنسان، إلى غيرها من مظاهر الانتظام في هذا الكون الدالة على وجود خالق حكيم خبير، قال الله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88]. فالضربة لا بد لها من ضارب، والبناء لا بد له من بانٍ، والكتابة لا بد لها من كاتب، فمن باب أولى أن يكون لهذا الكون العظيم خالق حكيم خبير.
عباد الله: إذا ثبت وجود الله بالدليل الفطري والعقلي، وجب أن نعتقد أنه سبحانه لا يشبه خلقه، ولا يماثل مخلوقاته، قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. وقال سبحانه: {وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [النحل: 60]. فالله موجود وجودًا يليق بجلاله، لا كوجود المخلوقين، وخالق لا يشبه المخلوق، ومغير لا يتغير، وموجد لا تحيط به الحدود؛ ومن هنا نعلم أن الخالق لا يكون محتاجًا، ولا متغيرًا؛ لأن هذه صفات المخلوقين.
أيها المسلمون: في هذا الزمان كثرت الشبهات، وانتشرت دعاوى الإلحاد، فمنهم من يقول: الطبيعة خلقت، أو المادة أوجدت، أو الانفجار أوجد الكون، ونحن نقول: الطبيعة صفة، والصفة لا تخلق، والمادة مخلوقة، والمخلوق لا يخلق، والانفجار حادث، والحادث لا يوجد نفسه، والعالم كله شاهد على خالقه. قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16].
عباد الله: إذا استقر في القلب يقين وجود الله وعظمته؛ خشع القلب واستقام السلوك، وزال الشك واطمأنت النفس. يقول الله تعالى {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ} [الرعد: 28]. فليس الإيمان بوجود الله قضية نظرية، بل هو أساس الطاعة، وأصل النجاة، ومنطلق الاستقامة.
أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنَّه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي دلَّ على نفسه بآياته، وأقام الحجة على عباده ببراهينه.
أيها المؤمنون: واجبنا اليوم أن نحصن أبناءنا بالفطرة السليمة، والعقل المستقيم، وأن نعلمهم أن هذا الكون لم يوجد عبثًا. يقول الله تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 191]. ويقول تعالى: {وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} [ص: 27]. وواجبنا أن نربي أبناءنا على تعظيم الله تعالى، وتنزيهه والثقة بوحيه، وعدم الاغترار بالشبهات.
وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقالات

