الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شروط قبول الأعمال

شروط قبول الأعمال

 شروط قبول الأعمال

الخطبة الأولى

الحمد لله تعالى الذي لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه، موافقًا لشرعه، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل قبول الأعمال أعظم ما يتنافس فيه المتنافسون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي بيّن للأمة طريق القبول وطريق الرد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 28]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].أما بعد:

عباد الله: إن من أعظم ما ينبغي أن يشغل قلب المؤمن ليس مجرد كثرة الأعمال، وإنما حسنها وصوابها، ومدى قبولها عند الله جل وعلا،{الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} [الملك: 2].
فالعبرة ليست بكثرة العمل وحدها، وإنما بكونه مقبولًا عنده سبحانه. ولهذا كان السلف الصالح يخافون على أعمالهم بعد أدائها أكثر من خوفهم قبلها، لأنهم يعلمون أن العمل قد يُبذل فيه الجهد والوقت والمال ثم لا يكون له عند الله تعالى وزن إذا فقد شروط القبول.
وقد أثنى الله تعالى على عباده المؤمنين بقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]، قالت عائشة رضي الله عنها: أهم الذين يسرقون ويزنون؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يُقبل منهم) رواه الترمذي.
والمؤمن يجمع بين العمل والخوف، وبين الطاعة والرجاء، لأنه يعلم أن النجاة ليست بمجرد العمل، وإنما بقبوله عند الله تعالى. ولذلك فإن المسلم إذا صلى أو صام أو تصدق أو حج أو دعا إلى الله تعالى أو علّم الناس الخير، ينبغي أن يسأل نفسه: هل تحقق في عملي ما يجعله مقبولًا عند الله تعالى؟ وهل استوفيت شروط القبول التي جاءت بها النصوص الشرعية؟ فإن الله تعالى ليس بحاجة إلى أعمال العباد، وإنما يقبل منها ما كان موافقًا لأمره، خالصًا لوجهه، صادرًا من عبد مؤمن به سبحانه.
أيها المسلمون: إن أول شروط قبول العمل وأساسها الإسلام، فلا يقبل الله تعالى عملًا من كافر مهما عظم في أعين الناس، لأن العمل إنما يُبنى على أصل الإيمان بالله تعالى. وقد قال سبحانه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} [الفرقان: 23]. فمهما بذل الإنسان من أعمال خيرية أو جهود إنسانية أو خدمات اجتماعية، فإنها لا تنفعه في الآخرة إذا فقد أصل الإيمان بالله تعالى. ولذلك كان أول ما دعا إليه الأنبياء جميعًا توحيد الله تعالى والإيمان به قبل الدعوة إلى سائر الأعمال. وهذا يعلمنا أن أعظم نعمة أنعم الله تعالى بها علينا هي نعمة الإسلام، وأن الواجب علينا أن نحمد الله تعالى عليها، وأن نتمسك بها، وأن نربي أبناءنا عليها، وأن نخاف عليها من أسباب الضعف والانحراف. كما يعلمنا أن العمل الصالح لا ينفصل عن العقيدة الصحيحة، بل ينبني عليها ويقوم بها، فصلاح العمل فرع عن صلاح الاعتقاد، وإذا فسد الأصل لم ينفع الفرع.
أيها المؤمنون: وإذا كان الإسلام هو الشرط الأول لقبول الأعمال، فإن الشرط الثاني هو الإخلاص لله تعالى، وهو روح الأعمال وسر قبولها. ومعنى الإخلاص أن يقصد العبد بعمله وجه الله تعالى وحده، لا يريد مدح الناس ولا ثناءهم، ولا طلب جاه أو سمعة أو منفعة دنيوية. وقد قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، وقال سبحانه: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر: 11]. ولهذا افتتح النبي صلى الله عليه وسلم أعظم أبواب الدين بقوله: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري.
فرب عمل صغير تعظمه النية حتى يبلغ عند الله تعالى منزلة عظيمة، ورب عمل كبير تفسده النية فلا يكون لصاحبه منه إلا التعب والعناء.
ومن أخطر ما يهدد الإخلاص الرياء، الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر، لأنه يجعل العبد يعمل للناس بدل أن يعمل لله تعالى. وقد قال سبحانه في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) رواه مسلم.
ولذلك كان السلف يجاهدون أنفسهم على الإخلاص أكثر مما يجاهدونها على العمل نفسه، لأنهم يعلمون أن الله تعالى ينظر إلى القلوب قبل أن ينظر إلى الصور والأعمال.
عباد الله: وهناك شرط ثالث لا يقل أهمية عن الشرطين السابقين، وهو الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن العمل مهما كان صاحبه مخلصًا لا يقبل إذا كان مخالفًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر العلماء أن شروط القبول كلها مجموعة في قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، فالعمل الصالح هو الموافق للسنة، وعدم الإشراك هو الإخلاص. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري، وفي رواية مسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).
فليس كل عمل يُحبه الإنسان أو يراه حسنًا يكون مقبولًا عند الله تعالى، بل لا بد أن يكون موافقًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم أشد الناس حرصًا على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في صغير الأمور وكبيرها، لأنهم أدركوا أن طريق النجاة ليس في الابتداع، وإنما في الاتباع، وليس في الأهواء، وإنما في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون: وإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة: الإسلام، والإخلاص، والاتباع، كان العمل أقرب إلى القبول، وكان صاحبه على طريق النجاة والفلاح.
ومن هنا ينبغي للمسلم أن يراجع أعماله بصورة دائمة، وأن يتفقد نيته وقصده عند كل عمل، يهل أريد بعملي هذا وجه الله تعالى؟ وهل أوافق فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإذا حقق هذه المعاني عاش مطمئنًا راجيًا رحمة الله تعالى، عاملًا بطاعته، بعيدًا عن الرياء والبدع والانحراف.
وإن أعظم ما يحتاجه المسلم اليوم ليس كثرة الأعمال فقط، وإنما صحة الأعمال وقبولها، فإن عملًا قليلًا مستجمعًا لشروط القبول خير من أعمال كثيرة لا تتوافر فيها هذه الشروط.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ويجازي المحسنين بأحسن أعمالهم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الدال على سبيل النجاة، والهادي إلى طريق القبول، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
عباد الله: تبين لنا فيما سبق أن قبول الأعمال عند الله تعالى لا يقوم على مجرد كثرتها، ولا على ما يبذله الإنسان فيها من جهد ووقت، وإنما يقوم على تحقق شروط القبول التي دل عليها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأساس ذلك الإسلام، والإخلاص، والاتباع.
فالإسلام هو الأساس الذي تُبنى عليه الأعمال، والإخلاص هو روحها وسرها، والاتباع هو الطريق الصحيح الذي تسير عليه.
وإذا اختل شرط من هذه الشروط، كان العمل معرضًا للرد وعدم القبول. ولذلك كان السلف الصالح يخافون على أعمالهم من الرد أكثر من خوفهم من التقصير فيها، لأنهم يعلمون أن العمل المقبول هو الذي ينفع صاحبه يوم القيامة، أما العمل المردود فلا يورث إلا الحسرة والندامة. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل نفسه"، ثم استدل بقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]. فالمؤمن الصادق لا يغتر بطاعته، ولا يعجب بعمله، بل يسأل الله تعالى دائمًا القبول، كما كان حال الأنبياء والصالحين، فهذا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان قواعد البيت الحرام، وهو من أعظم الأعمال، ثم يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127].
أيها المسلمون: ومن أعظم ما يهدد قبول الأعمال الرياء، ذلك الداء الخفي الذي يتسلل إلى القلوب، فيفسد الأعمال من حيث لا يشعر صاحبها، فيعمل العمل ليراه الناس، أو ليسمعوا به، أو يمدحوه عليه، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من ذلك أشد التحذير، فقال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء) رواه أحمد.
والرياء لا يقتصر على الصلاة أو الصدقة، بل قد يدخل في العلم والدعوة والقراءة وسائر الأعمال، ولهذا كان السلف يخفون أعمالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، خوفًا على قلوبهم من فساد النية.
ومن العلاج النافع لهذا الداء أن يستحضر العبد أن الخلق لا يملكون له نفعًا ولا ضرًا، وأن المدح والذم لا يقدمان ولا يؤخران، وأن الذي ينفعه يوم القيامة هو رضا الله تعالى لا رضا الناس، وأن الله تعالى يعلم السر وأخفى، ويطلع على ما في القلوب قبل أن يرى ما على الجوارح.
فيا عباد الله، راقبوا قلوبكم وأعمالكم، وصححوا نياتكم ومقاصدكم، واحرصوا على موافقة شرع ربكم واتباع سنة نبيكم، فإن كانت كذلك فأبشروا بخير عظيم، وإن وجدتم تقصيرًا فباب التوبة مفتوح، وربكم كريم رحيم، يقبل التائبين، ويجزي المحسنين.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة