الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
الخصومات بين الناس، والتقاطع والهجران، من أعظم أسباب فساد القلوب وتفكك المجتمعات، وهي باب واسع يفتحه الشيطان ليبث العداوة والبغضاء بين المسلمين، وما أكثر ما نرى من بيوت تهدمت، وأسر تفرقت، وصداقات تقطعت، بسبب خصومةٍ لم تُغلق، أو شحناء لم تُطفأ، ولذا كان التحذير من هذه الآفة شديداً لما فيها من خطر على الدين والدنيا، ولأنها تقطع ما أمر الله به أن يوصل، وتزرع الكراهية مكان المحبة، والقطيعة مكان الأخوة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا تَقاطَعوا، ولا تَدابَروا، ولا تَباغَضوا، ولا تَحاسَدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا) رواه مسلم.
وإذا كان الاختلاف طبيعة بشرية لا مفر منها، لاختلاف طبائع الناس وأخلاقهم وآرائهم، فإن الخطأ الكبير أن يتحول هذا الاختلاف إلى خصومة وشحناء، فيكون مصيدة شيطانية توقع الناس في العداوة والتقاطع، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قد يئس أن يُعبد في جزيرة العرب، لكنه لم ييأس من إيقاع الخلافات والشحناء بين المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الشَّيطانَ قد أيِسَ أن يَعبُدَه المُصَلُّونَ في جَزيرةِ العَرَبِ، ولَكِن في التَّحريشِ بينَهم ) رواه مسلم.
بل أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن أحب جنود إبليس إليه هو الذي يفرق بين الأحبة، وخاصة بين الزوجين، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمُهم فتنة، يجيء أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً حتى يجيء أحدُهم فيقول: ما تركته حتى فرقتُ بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نِعمَ أنت) رواه مسلم، وفي ذلك تعظيم لخطر الفراق والطلاق، وما فيه من هدم للبيوت، وتشتيت للأسر، وتعريض الأولاد للضياع والفتنة.
عباد الله: الخصومة بين المسلم وأخيه، وبين الزوج وزوجته، والابن وأبيه، والأخ وأخيه، والصاحب وصاحبه، هي حيلة شيطانية خطيرة، تقطع أواصر المحبة والترابط بين الناس، ويكفي في بيان خطرها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن أبواب الجنة تُفتح يوم الاثنين والخميس، فيغفر الله لكل مسلم لا يشرك بالله شيئاً، إلا من كان بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: (أنظِروا هَذَينِ حتَّى يَصطَلِحا، أنظِروا هَذَينِ حتَّى يَصطَلِحا، أنظِروا هَذَينِ حتَّى يَصطَلِحا) رواه مسلم، أي أن مغفرتهما تُؤخر حتى يتصالحا.
كما بين صلى الله عليه وسلم أنه لا يحل لمسلم أن يخاصم ويهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، فقال: (لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ، يَلْتَقِيانِ: فيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا، وخَيْرُهُما الذي يَبْدَأُ بالسَّلامِ) رواه البخاري، وقد رُخِّص في الثلاثة أيام كمهلة طبيعية لتهدئة الغضب، ومراجعة النفس، والاعتذار، وما زاد عنها يعد قطعاً لِحقوق الأخوَّة، وخَير المتخاصِمَيْن وأفضَلَهُما هو الَّذي يَبدَأُ بالسلام فيَقطَعُ الخصام.
ثم تأملوا كيف شدد النبي صلى الله عليه وسلم على مَن يطيل الخصومة بلا سبب شرعي، بل لهوى في نفسه أو لحظٍّ مِن حظوظ الدنيا، ومات مُصِرّاً على ذلك قبل أن يتوب فقال: (لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ، فمَن هجر فوق ثلاثٍ فمات دخل النارَ) رواه أبو داود.
بل وشدّد النبي صلى الله عليه وسلم أكثر على مَن أطال مدة الخصومة حتى بلغت سنة كاملة، فاعتبر هذه المبالغة في الهجر والخصام بمنزلة سفك الدماء في الإثم والوزر، فقال: (مَن هجر أخاه سنةً فهو كسفكِ دمِه) رواه أبو داود. أي أن من استمر في الخصومة حتى مضت عليه سنة فقد ارتكب إثماً عظيماً يقارب في شدته جريمة القتل، لا من حيث قدْر الجريمة نفسها، فإن سفك الدم أعظم الكبائر بعد الشرك، ولكن من حيث التغليظ في التحذير والتنفير من طول الهجران.
وما هو أشد خطراً أن تتحول الخصومة إلى خُلق دائم يلازم صاحبه، فيُدرج في صفات المنافقين التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقًا خالصًا، ومَن كانَت فيه خَصلةٌ منهنَّ كانَت فيه خَصلةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّى يَدَعَها: إذا اؤتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فجَرَ) رواه البخاري. ومعنى "إذا خاصم فجر" أي استمر وبالغ في الخصومة حتى تجاوز حدود الحق والعدل.
إن هذا التحذير النبوي الشديد إنما هو لقطع دابر الخصومات، والتنبيه إلى أن استمرارها خطر جسيم على الدين والدنيا، وأنها باب من أبواب الشيطان ينبغي للمسلم أن يغلقه، حفاظاً على أخوة الإسلام ووحدة المجتمع.
أيها المؤمنون: إن من أعظم أبواب الخير التي يغفل عنها كثير من الناس باب الإصلاح بين المتخاصمين، ذلك الباب الذي يزرع في النفوس بذور المحبة والمودة، ويعيد للمجتمع قوته وتماسكه.. فما أجمل أن يكون المسلم سبباً في جمع الكلمة، وإغلاق الخلاف، وإطفاء نار العداوة، ليغدو الناس إخوة متحابين، تسود بينهم الرحمة، وتغمرهم السعادة..
وقد حثنا نبينا صلى الله عليه وسلم ـ بقوله وفعله ـ على السعي في الإصلاح بين الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرُكم بأفضلَ من درجةِ الصيامِ والصلاةِ والصدقةِ؟ قالوا: بلى، قال: إصلاحُ ذاتِ البينِ) رواه أبو داود.
ولما عَلِم النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض الصحابة من أهل قُباء اختلفوا فيما بينهم لم يتمهل، بل قال لأصحابه: (اذهبوا بنا نُصْلِحُ بينهم) رواه البخاري، فخرج بنفسه ليطفئ نار الخلاف، وليعلم الأمة أن الإصلاح بين الناس واجب على كل مؤمن، وفي ذلك أيضا ما كان عليه من التواضع والحرص على قطع الخلاف وحسم دواعِي الفُرقة عن أمته فهو كما وصفه الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(التوبة:128).
ولِعِظم شأن الإصلاح بين الناس وأهميته، رخّص النبي صلى الله عليه وسلم أن يُقال من الكلام ما يُرضي القلوب ويجمعها ولو لم يكن مطابقاً للواقع، ما دام لا يترتب عليه ضرر أو ظلم.. فقد قالت أم كلثوم بنت عُقبة رضي الله عنها: (ما سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يرخصُ في شيءٍ من الكذبِ إلا في ثلاثٍ: الرجلُ يصلحُ بين الناسِ، والرجلُ يقولُ في الحربِ، والرجلُ يحدثُ امرأتَه والمرأةُ تحدثُ زوجَها) رواه أبو داود.
وقد بيّن العلماء أن الكذب في هذه المواضع استثناءٌ مشروع، رفقاً بالمسلمين وحاجتهم إليه، ومع ذلك، يبقى الكذب في أصله محرماً، ومن الأخلاق المذمومة التي نهى عنها الإسلام وحذّر منها، وإنما يُباح في هذه الحالات الخاصة لما فيها من مصلحةٍ أو دفع مفسدة، كإصلاح ذات البين، أو إظهار الود بين الزوجين تعزيزاً للألفة واستقرار البيوت، أو في الحرب حيث يُطلب أحيانا لخداع للعدو، أما ما يؤدي إلى أكل الحقوق، أو التهرب من الواجبات، أو الظلم والخداع، فهو محرّم بإجماع المسلمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
الاختلاف طبيعة في البشر، وحقيقة لا يمكن إنكارها، لاختلاف أخلاق الناس وطبائعهم وآرائهم، قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}(هود: 119:118).
لكن الخطأ الكبير أن يتحول هذا الاختلاف إلى خصومة وشحناء، فيكون باباً للشيطان يزرع به العداوة، حتى يصل إلى تقطيع العلاقات والأخوة، وهدم البيوت وتشتيت الأسر وضياع الأبناء.
ومن هنا يأتي أهمية وفضل السعي في الإصلاح بين الناس، فالإصلاح بين الناس ليس مجرد عمل عابر، بل هو خُلق نبوي، وصفة إيمانية، ووسيلة لبناء مجتمع قوي متماسك، وهنيئاً لمن جعله الله مفتاحاً للخير، يجري الصلح على يديه، ويكون سبباً في جمع القلوب بعد فرقتها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ من الناسِ ناسًا مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشرِّ، و إنَّ من الناسِ ناسًا مفاتيحَ للشرِّ، مغاليقَ للخيرِ، فطوبى لمن جعل اللهُ مفاتيحَ الخيرِ على يدَيْه، و ويلٌ لمن جعل اللهُ مفاتيحَ الشرِّ على يدَيْه) رواه ابن ماجه.
فليحرص كل واحد منا أن يكون مفتاحاً للخير، وأن يسعى بنفسه في الإصلاح، فيبدأ بالسلام على مَن خاصمه، ويبادر إلى وصْل ما انقطع بينه وبين أقاربه وجيرانه وأصحابه، فإننا نرى في واقعنا خصومات مؤلمة بين ابن وأبيه، وبين زوج وزوجته، وبين أخ وأخيه، وبين صاحب وصاحبه، وكلها أبواب يفرح بها الشيطان ويغذيها، فليغلق كل واحد منا هذه الأبواب، وليطفئ نار الخصام والخلاف، وليمد يده بالسلام والحب والمودة، فإن كلمة طيبة أو مبادرة صادقة قد تزيل شحناءً استمرت سنوات، وتعيد الحب والود إلى النفوس، وتفتح أبواب الرحمة والمغفرة.
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..
المقالات

