الخطبة الأولى
الحمد لله الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، خلق الخلق ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وقدَّر الآجال وحدَّد الأعمار، وجعل الليل والنهار خزائن للأعمال، أحمده سبحانه وأشكره على جزيل النعم ووافر الإفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكبير المتعال، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، خير من وعظ وذكَّر، وخير من نصح وبشَّر وأنذر، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم القرار.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
عباد الله: ها نحن نودِّع عاماً هجرياً مضى بأيامه ولياليه، وأسابيعه وشهوره، وما أسرع ما تمضي الأعوام! وما أعجب تقلب الأيام بالناس! فبالأمس القريب استقبلنا هذا العام، وها نحن اليوم نقف على أعتابه الأخيرة، نستعرض ما قدَّمنا فيه من أعمال، وما أودعناه في صحائفنا من صالح أو طالح. وإن المؤمن الصادق لا يجعل مرور السنين مجرد انتقال في التاريخ، بل يجعله محطة للمحاسبة والمراجعة والتوبة والإنابة. وقد أقسم الله تعالى بالزمن في مواضع كثيرة من كتابه؛ لعظيم شأنه، فقال سبحانه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3]. وقال جل جلاله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل: 1، 2].
إن تعاقب الأعوام ليس المقصود منه مجرد العدِّ والإحصاء، وإنما المقصود الاعتبار والادِّكار، فإن كل يوم يمضي يقرِّب الإنسان من أجله، ويباعده من دنياه. كان الحسن البصري رحمه الله يقول: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك". وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: "إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما".
وصدق الشاعر إذ يقول:
دقاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لهُ *** إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثوانِ
فارفعْ لنفسِكَ بعدَ موتِكَ ذكرَها *** فالذكرُ للإنسانِ عمرٌ ثانِ
وإذا كان الناس يفرحون بانقضاء سنة من أعمارهم، فإن العاقل يتفكر: ماذا بقي من العمر؟ وماذا أعددت للقاء الله؟ فإن السنين ليست إلا مراحل تقرِّب إلى القبور، وتدني من الوقوف بين يدي العزيز الغفور. قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]. وقال سبحانه: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78].
معاشر المؤمنين: إن نهاية العام تذكرنا بنهاية عمر كل واحد منا، فكل شيء له بداية لا بد له من نهاية، وهذه سنة الله سبحانه في خلقه، وقد كتب لكل منا نهايته مع نفخ الروح فيه، عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد ...) رواه مسلم.
أيها المسلمون: ومن أعظم الدروس التي نتعلمها عند نهاية العام الهجري أن العمر رأس مال الإنسان الحقيقي، فإذا ضاع ضاع كل شيء. وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيمة العمر وضرورة اغتنامه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري.
والعمر نعمة عظيمة سيسأل عنها العبد يوم القيامة، عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) رواه الترمذي.
فيا من انقضى من عمره عام أو أعوام، هل ازددت قرباً من الله؟ هل حفظت جوارحك عن الحرام؟ هل أقبلت على القرآن تلاوةً وتدبراً وعملاً؟ هل حافظت على الصلاة في أوقاتها؟ هل بررت والديك ووصلت رحمك؟ هل أصلحت ما بينك وبين ربك؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تشغل المؤمن عند نهاية كل عام.
لقد مضى في هذا العام أناس كانوا بيننا؛ يأكلون كما نأكل، ويتكلمون كما نتكلم، ويخططون كما نخطط، ثم جاءهم أمر الله فانتقلوا إلى دار الجزاء، وبقيت أعمالهم شاهدة لهم أو عليهم. فالسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ الناس به.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا". وكان يقول: "اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل".
فيا عباد الله: إن مرور السنين نذير، وإن الشيب رسول الموت، وإن ضعف القوة بعد النشاط، وتغير الأحوال بعد الاستقرار، كلها رسائل ربانية تدعو الإنسان إلى التوبة والاستعداد.
وصدق الشاعر عندما قال:
نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا *** وما لزمانِنا عيبٌ سوانا
ونهجو ذا الزمانَ بغيرِ ذنبٍ *** ولو نطقَ الزمانُ لنا هجانا
معاشر المؤمنين: إن من أعظم ما ينبغي أن يختم به العبد عامه الهجري التوبة الصادقة إلى الله تعالى؛ فإن التوبة هي طريق الفلاح والنجاة، وهي وظيفة المؤمن في كل حين. قال سبحانه: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]. وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8].
ولقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يكثر من الاستغفار والتوبة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) رواه البخاري.
فما أحوجنا إلى تجديد التوبة، ورد المظالم إلى أهلها، والإقلاع عن المعاصي، والعزم على الاستقامة، والإكثار من الأعمال الصالحة. فإن من أحسن فيما بقي من عمره غُفر له ما مضى، ومن فرط في آخر عمره خسر خسراناً مبيناً.
واعلموا أن خير الناس من طال عمره وحسن عمله؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) رواه الترمذي، عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه.
فاجعلوا نهاية هذا العام: مذكرة لنهاية عمر الإنسان، وباعثة لبدايةً صادقة مع الله، وجدِّدوا العهد مع القرآن، والمحافظة على الصلوات، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وكثرة الذكر والدعاء، والصدقة والإحسان. فإن الأعمار قصيرة، والرحيل قريب، والموعد بين يدي الله آتٍ لا محالة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه التي لا تُحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن من أعظم الغبن أن تنقضي الأعمار في غير طاعة الله، وأن تمر السنين دون زيادة في الإيمان والعمل الصالح.
أيها المسلمون: لقد علمنا أن الأيام خزائن الأعمال، وأن الأعمار مراحل إلى الدار الآخرة، وأن العاقل من حاسب نفسه قبل أن يحاسب، ووزن أعماله قبل أن توزن عليه، واستعد للقاء ربه قبل أن يفجأه الموت.
وإن من نعم الله على عباده أن أبقى لهم باب التوبة مفتوحاً، وأن جعل الحسنات يذهبن السيئات، وأن وسعت رحمته كل شيء.
فاستقبلوا عامكم الجديد بالعزم على الطاعة، وكثرة الاستغفار، وإصلاح القلوب، وتصفية النفوس، وإحياء السنن، وترك المعاصي والمنكرات، وأكثروا من الدعاء أن يبارك الله لكم في أعماركم وأعمالكم، وأن يجعل ما بقي من حياتكم خيراً مما مضى.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
المقالات

