الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دروس مِن ضيافة أبي أيوب الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم

دروس مِن ضيافة أبي أيوب الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم

دروس مِن ضيافة أبي أيوب الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم

حين أشرقت شمس الهجرة على المدينة المنورة، كان بيت الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أول منزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وفي تلك الضيافة المباركة تجلت أسمى معاني الإيمان الصادق، والمحبة العميقة، والأدب الرفيع، والضيافة الكريمة، فغدا ذلك الحدث منارة مضيئة في السيرة النبوية، بما حمله مِن دروس وعِبر تتوارثها الأمة جيلاً بعد جيل..

وأبو أيوب هو خالد بن زيد بن كليب الخزرجي، من أعلام الأنصار، ومن السابقين الذين شهدوا بيعة العقبة الثانية، وشارك في بدر وأحُد وسائر المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثنى عليه العلماء ثناءً عظيمًا، فقال ابن الأثير في "أسْد الغابة": "هو الذي خصَّه الرسولُ صلى الله عليه وسلم بالنزول في بيته عندما قدم المدينة المنورة مهاجراً". وقال عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "السيد الكبير الذي خصه النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول عليه في بني النجار إلى أن بنيت له حُجرة أم المؤمنين سوْدة، وبُني المسجد الشريف، وله مِائة وخمسة وخمسون حديثا، ومنها في البخاري ومسلم: سبعة"
أما الحافظ المِزِّي فقد ذكر زوجته أم أيوب رضي الله عنها في "تهذيب الكمال" قائلاً: "لها صُحبة ورواية، وفي بيتها نزل النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مهاجرًا"..
وهذا البيت المبارك الذي جمع بين أبي أيوب وزوجه رضي الله عنهما لم يكن مجرد مكان إقامة، بل كان مشهدًا مضيئًا في السيرة النبوية، خرجت منه فوائد تربوية ودروس عظيمة، ومِن ذلك:

1 ـ ضيافة أبي أيوب وزوجته للنبي صلى الله عليه وسلم
قصة نزول النبي صلى الله عليه وسلم ضيفًا في بيت الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عند قدومه مهاجرًا إلى المدينة المنورة، رواها الإمام مسلم في صحيحه عن أفلح مولى أبي أيوب، وفيها تفاصيل دقيقة تكشف عن مدى حب وأدب الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نزل النبي صلى الله عليه وسلم أولًا في الطابق السُفلي من بيت أبي أيوب، بينما كان أبو أيوب في العُلوي، فلما استشعر أبو أيوب أنه يمشي فوق النبي صلى الله عليه وسلم فزع وقال: (نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!)، فتنحى مع أهله إلى جانب البيت تعظيمًا لمقامه الشريف..
وحَكَى أبو أيُّوب للنبي صلى الله عليه وسلم ما جَرى بالأمسِ، فقال له صلى اللهُ عليه وسلم: (السُّفْلُ أرفَق) أي أيسر له ولزائريه، إذْ كان الصحابة يأتونه باستمرار، فلو أقام في العلوي لشقّ عليهم المرور، لكنَّ أبا أيوب أصر قائلًا: (لا أَعْلُو سقيفةً أنتَ تحتَها)، فلمَّا رأى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَزْمَه على ألَّا يَسكُنَ الطَّابقَ العُلْويَّ، تحوَّلَ في العُلْوِ وأبو أَيُّوبَ في السُّفْل..
وكان أبو أيوب رضي الله عنه يصنع الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءه ما بقي منه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع ذلك الموضع تبركًا به، وذات يوم صنع طعامًا فيه ثوم، فلم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا، إذ كان لا يعيب طعامًا قط، إنِ اشتهى أكله وإنْ كرهه تركه، فلما علم أبو أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل فزع، وصعد يسأل: (أحرامٌ هو؟) يَقصِدُ الثُّوم، فأجابه صلى الله عليه وسلم أنَّه ليْس بحَرام، وإنَّما يَكرَهُ أكْلَه، فقال أبو أَيوب: (فَإنِّي أكرَه ما تَكره)، وقد بيَّن أبو أيوب سَبب امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن أكلِ الثُّوم فقال: (وكان النبي صلى اللهُ عليه وسلَّمَ يُؤْتَى) أي: تَأتيه الملائكةُ والوحي، فكان لا يَأكُلُ الثُّوم أبدًا، لأنَّ الملائكةَ تَتأذَّى مِن الرَّوائح الكريهة، وقدْ رَوى أبو داودَ عن علِيٍّ رضي الله عنه قال: (نُهِيَ عن أكلِ الثُّومِ إلَّا مَطبوخًا) لأنَّ الطَّبْخَ يُميتُ رائحَتَها، ويُقلِّلُ آثارَها..

2 ـ الحب والأدب والاتباع

في ضيافة أبي أيوب وزوجته رضي الله عنهما للنبي صلى الله عليه وسلم تجلّى حب الصحابة العظيم له، وتعظيمهم لشأنه، وأدبهم معه، قال النووي: "كراهة أبي أيوب ـ لعلوه في طابق أعلى عن النبي ـ من الأدب المحبوب الجميل، وفيه إجلال أهل الفضل، والمبالغة في الأدب معهم، وفيه مَنقبة ظاهرة لأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه من أوجه: منها: نزوله صلى الله عليه وسلم عنده، ومنها: أدبه معه، ومنها: موافقته في ترك الثوم وقوله: (إني أكره ما تكره)، ومِن أوصاف المحب الصادق أن يحب ما أحب محبوبه، ويكره ما كره".
وقال القاضي عِياض: "مَن أحب شيئاً آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقا في حبه وكان مدعياً، فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم مَن تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}(آل عمران:31)".
وقال ابن القيم: "رأس الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم كمال التسليم له والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يُعارَض برأي أو قياس.. ومن الأدب معه أن لا يُسْتشكل قوله، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يُعارَض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يوقف قبول ما جاء به صلى الله عليه وسلم على موافقة أحد.. ومن الأدب معه: ألا يُتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(الحجرات:1)، وهذا باقٍ إلى يوم القيامة ولم يُنْسَخ، فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم". فإذا كان أبو أيوب وزوجته رضي الله عنهما قد استعظما مجرد العلو على النبي صلى الله عليه وسلم في السكن، فكيف بمن يقدم رأيه وهواه على قوله وسنته؟!

3 ـ بركة النبي صلى الله عليه وسلم
البركة هي: النماء والزيادة في الخير، وهي ثابتة في الشرع للقرآن الكريم، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وزمزم، ولبعض الأزمنة والأمكنة، كمكة المكرمة والمدينة المنورة، وشهر رمضان ويوم الجمعة..
وقد ثبتت بركة النبي صلى الله عليه وسلم بأدلة كثيرة قطعية اتفق عليها المسلمون سلفا وخلفا، وقد رأى الصحابة رضوان الله عليهم هذه البركة بأعينهم، فكانوا يقتتلون على وضوئه، ويأخذوا مِن ريقه وعرقه، ويمسحوا أبدانهم بيده، ويحرصوا على ملامسته، وكل ذلك بمرأى منه وإقرار صلوات الله وسلامه عليه، وأحداث السيرة النبوية فيها الكثير من الشواهد والأمثلة الدالة على بركة النبي صلى الله عليه وسلم. قال النووي في شرحه لقصة ضيافة أبي أيوب رضي الله عنه: ": (فكان يصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع موضع أصابعه): يعني إذا بعث إليه فأكل منه حاجته، ثم ردَّ الفضلة، أكل أبو أيوب مِن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم تبرُكَاً"..

4 ـ أبو أيوب وزوجته وحادثة الإفك
ومِن مواقفه وفضائله هو وزوجته رضي الله عنهما ما كان في حادثة الإفك، حينما أراد المنافقون الطعن في عِرض النبي صلى الله عليه وسلم بالافتراء على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد أظهر أبو أيوب وزوجته يقينًا راسخًا ببراءتها، وأدبًا عظيمًا مع بيت النبوة الكريم..
ففي السيرة النبوية لابن هشام: "أنَّ أبا أيوب قالت له امرأته أم أيوب (متعجبة ومستنكرة): يا أبا أيوب، ألا تسمع ما يقول الناس في عائِشة؟! قال: بلى، وذلك الكذب، أكنتِ يا أم أيوب فاعلة (ما تُتهم به)؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشَة والله خير منكِ"..
وقد ذكر ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا}(النور:12) أن هذه الآية نزلت في أبي أيوب وزوجته رضي الله عنهما، إذْ قاسا الأمر على أنفسهما، فرأيا أن ذلك لا يليق بهما، فكيف بأم المؤمنين؟!..
وأضاف ابن عاشور في "التحرير والتنوير": "روي أن أبا أيوب الأنصاري لما بلغه خبر الإفك قال لزوجه: ألا ترين ما يُقال؟ فقالت له: لو كنتَ بدل صفوان أكنتَ تظن بحرمة رسول الله سوءا؟ قال: لا، قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنتُ رسولَ الله، فعائشة خير مني وصفوان خير منك، قال: نعم"، وفي ذلك دلالة على عظيم حبهما لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وحُسن ظنهما بهم، واليقين ببراءة أهل بيت النبوة الأطهار..

وختامًا، فإن قصة ضيافة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب الأنصاري وزوجته رضي الله عنهما، تحمل دروسًا عظيمة في الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتُبرز فوائد عملية في حُسن الضيافة والحرص على راحة الضيف، كما تكشف عن صدق المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم بتعظيمه وموافقته فيما يحب ويكره..
وقد نالت أسرة أبي أيوب رضي الله عنه منزلة رفيعة في قلوب المسلمين ببركة هذه الضيافة الكريمة، فكانوا خير مضيف لخير ضيف، وحُفظت لهم هذه المَنقبة عَبْر التاريخ، وكانا قدوة في تحقيق قوله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ}(الفتح:9)، قال السعدي: "أي: تعظموه وتُجِّلوه، وتقوموا بحقوقه صلى الله عليه وسلم"..

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة