الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دلائل وعلامات محبتنا للنبي صلى الله عليه وسلم

دلائل وعلامات محبتنا للنبي صلى الله عليه وسلم

 دلائل وعلامات محبتنا للنبي صلى الله عليه وسلم

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وجعل محبته من صميم الإيمان، وربط طاعته بطاعته، وأمر بتعظيمه وتوقيره ونصرته، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم الدين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وسيد ولد آدم أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]
أما بعد:
عباد الله: إن من أعظم ما يُبتلى به العبد في هذا الزمان أن يضعف في قلبه ميزان المحبة الصادقة للنبي صلى الله عليه وسلم، فتتحول المحبة عنده إلى مجرد عاطفة موسمية، أو كلمات تقال، دون أن يكون لها أثر في سلوكه، ولا حضور في حياته. وإن محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست أمرًا ثانويًا في الدين، بل هي أصل من أصول الإيمان، لا يتم إيمان العبد إلا بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) رواه البخاري. فهذه المحبة التي يبلغ بها العبد كمال الإيمان، ليست مجرد ميل قلبي، بل هي منزلة عظيمة تقتضي التقديم، والتعظيم، والانقياد، والاتباع.
أيها المسلمون: إن أول وأعظم دليل على صدق محبة النبي صلى الله عليه وسلم هو اتباع سنته، والسير على هديه، والوقوف عند أوامره ونواهيه، لأن الله سبحانه جعل الاتباع هو البرهان الحقيقي للمحبة، فقال جل وعلا: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31]، فهذه الآية ميزان دقيق يُفرّق بين دعوى المحبة وحقيقتها، وبين من يتغنى بالمحبة ومن يترجمها واقعًا في حياته، فليس كل من ادعى المحبة صادقًا فيها، وإنما الصادق هو الذي تظهر آثارها عليه في عبادته التي يحرص فيها على موافقة السنة، وفي أخلاقه التي يستحضر فيها هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي معاملاته التي يزنها بميزان الشرع، وفي التزامه بالسنة ظاهرًا وباطنًا، في سره وعلنه، وإن الاتباع ليس أمرًا جزئيًا يأخذ منه الإنسان ما يوافق هواه ويترك ما يخالفه، بل هو استسلام كامل وانقياد شامل، يجعل المؤمن يقف عند حدود النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتقدم بين يديه، ولا يعارض أمره، ولا يستدرك على سنته، بل يسلّم تسليمًا ويوقن أن الخير كل الخير فيما جاء به، وأن الهداية كل الهداية في اتباعه، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم أعظم الناس محبة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا أعظمهم اتباعًا له حتى في أدق التفاصيل، لا يفرّقون بين صغير وكبير من سنته، وإن المحبة الصادقة تُثمر طاعة ظاهرة، وتُورث انقيادًا باطنًا، وتدفع صاحبها إلى التشبه بالمحبوب، فالمحب يرى في هدي النبي صلى الله عليه وسلم كمالًا لا يُدرك فيسعى إلى الاقتداء به بحسب استطاعته في هيئته وعبادته وسمته وخلقه، ويستحي أن يخالفه وهو يدّعي محبته، ومن أعظم صور الخلل أن يُكثر الإنسان من ذكر المحبة ثم لا يظهر لها أثر في التزامه بالسنة أو في بعده عن البدع، فيكون قد فصل بين الدعوى والحقيقة، ولهذا فإن الواجب على كل مسلم أن يحوّل هذه المحبة إلى منهج حياة، يضبط به أقواله وأفعاله، ويربي عليه نفسه وأهله، حتى تصبح السنة حاضرة في تفاصيل حياته، لأن من عاش مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم عاش على النور والهدى، ومن ابتعد عنها ابتعد عن هذا النور بقدر بعده عنها.
أيها المؤمنون: ومن أعظم علامات هذه المحبة أن يُقدّم العبد قول النبي صلى الله عليه وسلم على كل قول، وأن يجعل سنته حاكمة على آرائه وأهوائه، فلا يعارضها بعقل، ولا يردها بذوق، ولا يقدّم عليها تقليدًا أو عادة، لأن الله سبحانه أقسم بنفسه على أن الإيمان لا يتحقق إلا بتحكيم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ} [النساء: 65]. فالمحب الصادق لا يجد في نفسه حرجًا من سنة النبي، بل يرضى بها ويسلم تسليمًا، ويعلم أن الخير كله فيها، وأن الهداية لا تكون إلا باتباعها. ومن دلائل المحبة الصادقة للنبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه وتوقيره، وتعظيم سنته، وعدم التهاون بها أو الاستهانة بشيء منها، قال تعالى: {لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9]. فالمحب يعظم النبي في قلبه، ويجلّه، ويوقّره، ويُعظّم حديثه، ولا يتعامل معه كما يتعامل مع كلام البشر، بل يعلم أنه وحي من عند الله، فينقاد له، ويخضع له، ويرى فيه النجاة والسعادة.
أيها المسلمون: ومن علامات المحبة كذلك الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن المحب يكثر من ذكر محبوبه، ويستحضر سيرته، ويعيش مع أخباره، وقد أمر الله بذلك فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرًا) رواه مسلم. فالصلاة عليه هي في الحقيقة صلة قلبية، وتجديد للمحبة، وربط للنفس بسيرته وهديه صلى الله عليه وسلم.
أيها المؤمنون: ومن دلائل المحبة أن يغار العبد على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يدافع عنها، وأن يذبّ عنها، وأن يحزن إذا ما انتُقصت أو حوربت، لأن المحبة تقتضي الغيرة، والغيرة تقتضي النصرة، ولا يكون الإنسان صادقًا في محبته إذا رأى سنة النبي تُحارب وهو صامت، أو تُهمل وهو لا يبالي، بل يكون له نصيب من البيان، أو الدعوة، أو النصيحة، أو على الأقل إنكار القلب.
ومن أعظم دلائل المحبة محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته، لأنهم أحب الناس إليه، وأقربهم منه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي) رواه البخاري، فمحبتهم من محبته، وتعظيمهم من تعظيمه، والاقتداء بهم من تمام الاقتداء به، لأنهم نقلوا هذا الدين، وحملوا هذه الرسالة، وجاهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
عباد الله: إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم في حقيقتها اتباع عملي يظهر في حياة المسلم، في التزامه بالسنة، وفي تقديمه لأمر النبي على غيره، وفي تعظيمه له، وفي إكثاره من الصلاة عليه، وفي دفاعه عن سنته، وفي محبته لأصحابه وآل بيته، وفي حرصه على الاقتداء به في كل شأن من شؤون حياته.
وإن من تأمل هذه المعاني وجد أن المحبة الصادقة تُحوّل حياة الإنسان، وتجعله يعيش على منهج واضح، وطريق مستقيم، لا يتخبط في الآراء، ولا يتبع الأهواء، بل يسير خلف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه يعلم أن النجاة في اتباعه، والهلاك في مخالفته. وإن من أعظم ما ينبغي أن نعتني به في زماننا هذا هو تربية أنفسنا وأبنائنا على هذه المحبة الصادقة، لا بمجرد الشعارات، بل بالعلم بسيرته، وتعلم سنته، وتعويد النفس على العمل بها، حتى تكون هذه المحبة حاضرة في البيوت، وفي التربية، وفي السلوك، وفي الواقع، لأن الجيل الذي لا يعرف نبيه، ولا يعيش مع سنته، ولا يقتدي بهديه، جيل معرض للانحراف والضياع.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة