الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الربيع بين بهجة الدنيا ونعيم الآخرة

فصل الربيع بين بهجة الدنيا ونعيم الآخرة

فصل الربيع بين بهجة الدنيا ونعيم الآخرة

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، الذي أحيا الأرض بعد موتها، وجعل في اختلاف الفصول والعصور آياتٍ لأولي الألباب، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الخلق بحكمته، ودبَّر الكون بقدرته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، الداعي إلى رضوانه، والهادي إلى جناته، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) ‌يُصْلِحْ ‌لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

عباد الله: إن من أعظم ما يتجدد على الناس في حياتهم تعاقب الفصول، ففي كل فصل من فصول السنة دروسٌ وعبر، وآياتٌ ودلالات، تدل على عظمة الخالق سبحانه وكمال تدبيره. ومن أجمل تلك الفصول وأحبها إلى النفوس فصل الربيع؛ حيث تكتسي الأرض حُلَّةً جديدة، وتزدان بالزهور والأشجار، وتنبعث الحياة في كثير مما كان خامدًا أو ذابلًا، فيرى الإنسان مشاهد البهجة والجمال من حوله. وقد لفت القرآن الكريم الأنظار إلى هذه الآية العظيمة، فقال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [فصلت: 39]. وقال جل وعلا: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم: 50].

وإذا كان الناس يفرحون بما يرونه من جمال الربيع وزينته، فإن المؤمن يتجاوز النظر إلى ظاهر المشهد، فينتقل منه إلى التفكر في قدرة الله تعالى، ويستدل بإحياء الأرض بعد موتها على البعث والنشور، كما قال سبحانه: {كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9]. وكما قال تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50].
فالذي أحيا الأرض بعد جدبها قادر على أن يحيي العظام وهي رميم، والذي أخرج النبات من التراب قادر على أن يخرج الخلائق من القبور يوم الحساب.

أيها المسلمون: ومن أعظم ما ينبغي أن يستحضره المؤمن عند رؤية الربيع أن هذا الجمال كله، على ما فيه من حسن وروعة، لا يساوي شيئًا أمام نعيم الجنة الذي أعده الله لعباده المتقين. وليس المقصود مقارنة الربيع بالجنة؛ فإن الفارق بينهما أعظم من أن يقارن، وإنما المقصود أن تكون مشاهد الربيع سببًا في تذكر ما أعده الله لأوليائه من النعيم المقيم. فقد وصف الله الجنة بأوصاف تبهر العقول، فقال سبحانه: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد: 15]. وقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الذاريات: 15].

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عظمة نعيم الجنة فقال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: ‌أعددت ‌لعبادي ‌الصالحين، ‌ما ‌لا ‌عين ‌رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). فاقرؤوا إن شئتم: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}) متفق عليه.

فمهما رأى الإنسان من حدائق الدنيا وبساتينها، ومهما استمتع بمناظرها وأجوائها، فإنها نعيمٌ زائل، محدود الأمد، يعتريه النقص والتغير، أما نعيم الجنة فنعيم كامل دائم لا ينقطع ولا يزول. قال سبحانه: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108]، أي غير مقطوع. وقال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57].

ولذلك كان السلف الصالح إذا رأوا شيئًا من جمال الدنيا تذكروا الآخرة، وإذا أعجبتهم زهرة الدنيا علموا أنها تذبل سريعًا، أما نعيم الجنة فلا يعتريه ذبول ولا فناء. قال الحسن البصري رحمه الله: "ما الدنيا كلها في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع".

معاشر المؤمنين: وإذا كان فصل الربيع يذكر المؤمن بالجنة، فإنه كذلك يذكره بضرورة اغتنام الأوقات فيما ينفعه عند الله تعالى. فالمسلم لا يجعل الربيع موسمًا للهو والغفلة فحسب، وإنما يجعله فرصةً لزيادة الطاعات، وتجديد النشاط في العبادة والعمل الصالح. ومن أعظم ما يُستثمر فيه هذا الفصل كثرة التفكر في آيات الله الكونية، فإن التفكر عبادة جليلة تورث الإيمان والخشية، وقد أثنى الله على أولي الألباب بقوله: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 191].

كما أن من الأعمال الصالحة المناسبة لهذا الفصل: الخروج إلى المتنزهات والبساتين بقصد الترفيه عن النفس وإدخال السرور على الأهل والولد، مع المحافظة على ذكر الله وشكره، وصلة الأرحام، وتعليم الأبناء التأمل في نعم الله، وإحياء معاني الشكر في نفوسهم. ومن ذلك أيضًا الإكثار من الصدقة والإحسان إلى المحتاجين، فإن المؤمن إذا رأى نعم الله عليه ازداد شكرًا وبذلًا وعطاءً.

ومن الأعمال الدنيوية النافعة في هذا الفصل: العناية بالزراعة وغرس الأشجار، والمحافظة على البيئة، وإصلاح الأراضي، والاهتمام بما يعود بالنفع على الناس. عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من ‌مسلم ‌يغرس ‌غرسا ‌أو ‌يزرع ‌زرعا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة) متفق عليه.

أيها المسلمون: إن الربيع الحقيقي ليس ربيع الأرض وحدها، وإنما ربيع القلوب بالإيمان، وربيع الأرواح بطاعة الرحمن، وربيع النفوس بذكر الله تعالى، وربيع العقول بالعلم والتفكير؛ فكم من إنسان يعيش في أجمل البساتين وقلبه موحش مظلم، وكم من مؤمن يعيش في ظروف صعبة لكنه يجد من أنس الطاعة وسعادة الإيمان ما يجعله في نعيم عاجل قبل نعيم الآخرة.

وقد قال بعض السلف: "إنه لتمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب". وذلك لما يجد المؤمن من لذة القرب من الله تعالى. فاحرصوا -عباد الله- على أن تجعلوا مواسمكم كلها مواسم طاعة، وأن تكون مشاهد الربيع سببًا في زيادة الإيمان، وتعظيم المنعم سبحانه، والتطلع إلى جنات النعيم التي وعد الله بها عباده المتقين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه على جزيل نعمه، وأشكره على عظيم فضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن خير الزاد تقوى الله.

أما بعد:

أيها المسلمون: فصل الربيع آية من آيات الله تعالى الدالة على قدرته ورحمته، والمؤمن ينظر إليه بعين الاعتبار والتبصر، فيتذكر به البعث بعد الموت، ويتذكر نعيم الجنة الذي أعده الله للمتقين، ويجعل منه دافعًا إلى مزيد من الطاعة والعمل الصالح. وإن من أعظم الخسارة أن تمر على الإنسان المواسم والسنون وهو غافل عن رسالتها ودروسها، وإن من أعظم الربح أن يحول المؤمن كل ما يراه من نعم الله إلى عبادة وشكر وازدياد من الإيمان.

معاشر المؤمنين: تذكروا أن الدنيا كلها ربيع قصير مهما طال، وأن الآخرة هي دار القرار. قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]. وقال سبحانه: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20]، وقال سبحانه: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 17].
فاجعلوا قلوبكم معلقة بالجنة، وأكثروا من سؤال الله الفردوس الأعلى، وأحسنوا أعمالكم، واستقيموا على طاعته، وأكثروا من ذكره وشكره وحسن عبادته.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة