من أعظم نعم الله على هذه الأمة أنه لم يجعل الرابط الذي يجمع أفرادها قائمًا على الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو الأرض، أو المصالح المشتركة، وإنما جعله قائمًا على الإيمان بالله تعالى. ولهذا بقيت الأمة الإسلامية عبر تاريخها أمةً واحدة، رغم اختلاف شعوبها وألسنتها وأعراقها، لأن الذي جمعها هو العقيدة لا الحدود، والذي وحَّد قلوبها هو الإيمان، لا المصالح المؤقتة؛ ومن هنا فإن الأخوة الإسلامية ليست شعارًا عاطفيًا، ولا خلقًا مستحبًا فحسب، بل هي أصل من أصول بناء المجتمع المسلم، وثمرة ظاهرة من ثمار العقيدة الصحيحة.
الأخوة الإيمانية منحة ربانية وثمرة للعقيدة
لقد نسب الله تعالى الأخوة بين المؤمنين إلى الإيمان نفسه، فقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]. فلم يقل: "المسلمون جيران"، أو "أصدقاء"، بل جعل الأخوة وصفًا ملازمًا للإيمان، حتى كأنها نتيجة طبيعية له. وقال سبحانه: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]. فهذه الآية تذكر المؤمنين أن الذي جمعهم لم يكن نسبًا، ولا قبيلة، وإنما نعمة الله بالإيمان. ولذلك فإن كل مشروع يسعى إلى جمع الأمة بعيدًا عن العقيدة، يبقى مشروعًا ناقصًا، لأن القلوب لا يؤلف بينها إلا الله.
الإيمان يهدم العصبيات ويبني مجتمعًا واحدًا
من أعظم ما جاءت به العقيدة الإسلامية أنها نقلت الناس من الولاء للعصبية إلى الولاء للإيمان. قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. فميزان التفاضل في الإسلام ليس اللون، ولا القبيلة، ولا الجنسية، ولا الغنى، وإنما التقوى. وهذا أصل عظيم في بناء المجتمعات؛ لأنه يحرر الإنسان من التعصب، ويجعله ينظر إلى الناس بمنظار الإيمان والعمل الصالح، وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في حجة الوداع، فقال: (يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى) رواه أحمد. كما قال صلى الله عليه وسلم: (دعوها، فإنها منتنة) متفق عليه. قالها في شأن العصبية الجاهلية، حين تنازع رجل من المهاجرين مع رجل من الأنصار، فأراد كل فريق أن ينتصر لجماعته، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المسلك، لأن العقيدة لا تسمح بأن تكون الروابط الجاهلية مقدمة على رابطة الإيمان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "كل من خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب، فهي من عزاء الجاهلية".
الأخوة الإيمانية تثمر المحبة والتكافل
وحين تستقر الأخوة في القلب لا بد أن تترجم إلى أعمال وسلوك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) متفق عليه. فهذان الحديثان يبينان أن كمال الإيمان يظهر في طريقة تعامل المسلم مع إخوانه؛ فيفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويعين محتاجهم، ويستر عيوبهم، ويحرص على جمع الكلمة، لأنهم جميعًا يجتمعون على عبادة رب واحد، ورجاء دار واحدة. فإذا سادت هذه المعاني، أصبح المجتمع أكثر تماسكًا، وأقوى في مواجهة الأزمات، لأن أفراده لا يعيشون لأنفسهم فقط، بل يحمل بعضهم همَّ بعض، ويجعلون الأخوة الإيمانية أساس تعاملهم.
الأخوة الإيمانية أساس في معالجة الخلافات
لا يخلو مجتمع من الاختلاف، ولا تخلو أسرة أو جماعة من وقوع النزاع بين أفرادها، لكن الفارق بين المجتمع المؤمن وغيره أن الخلاف فيه لا يهدم رابطة الأخوة، لأن العقيدة تجعل الإيمان هو الأصل الذي تُبنى عليه العلاقات، ويبقى قائمًا وإن وقع التقصير أو الخطأ. ولهذا قال الله تعالى بعد أن قرر الأخوة بين المؤمنين: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]. فجعل الإصلاح واجبًا، ولم يترك النزاع حتى يتسع ويهدد وحدة المجتمع. ثم أتبع ذلك بالنهي عن كل ما يفسد الأخوة، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ... وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} [الحجرات: 11]. وقال تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ... وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: 12]. فتأمل كيف جمعت هذه السورة بين تقرير الأخوة الإيمانية، وبين إزالة الأسباب التي تؤدي إلى تمزيقها؛ من السخرية، وسوء الظن، والغيبة، والتنابز بالألقاب. وهذا يدل على أن المحافظة على وحدة المجتمع تحتاج إلى تربية مستمرة على أخلاق الإيمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا) متفق عليه. فجعل الأخوة غاية، وجعل ترك أسباب العداوة وسيلة إليها.
الأخوة الإيمانية تثمر التكافل والإصلاح
إذا ما امتلأ القلب بالإيمان، لم يكتف صاحبه بسلامة نفسه، بل يشعر بمسؤوليته تجاه إخوانه، فيسعى إلى تفريج كربهم، وقضاء حوائجهم، وإصلاح ذات بينهم، لأن الأخوة في الإسلام ليست مجرد شعور وجداني، وإنما التزام عملي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يحقره) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (من كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة) متفق عليه. فهذه النصوص تبين أن خدمة الناس ليست عملًا اجتماعيًا مجردًا، وإنما عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، وأن الجزاء عليها مرتبط بيوم القيامة، مما يعيدنا إلى الأصل العقدي الذي تقوم عليه هذه السلسلة، وهو أن العقيدة هي التي تولد السلوك. ومن هنا كان المجتمع الذي تسوده الأخوة الإيمانية مجتمعًا متعاونًا، تتكامل فيه الجهود، ويشعر فيه الضعيف أن له من يقف معه، والغني أن عليه حقًا لإخوانه، والقوي أن قوته أمانة لخدمة الناس، لا للتسلط عليهم.
المقالات

