الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إنسان مصاب بالرهاب الاجتماعي يريد أن يقيم حفلة عرس ويواجه الناس

السؤال

السلام عليكم.

كيف لمريض الرهاب الذي يخشى الاختلاط بالناس وتظهر عليه جميع علامات الرهاب في المناسبات وعند مقابلة مجموعة من الأشخاص أن يقيم حفلة عرس له؟ وكيف يقدر أن يكون في واجهة الحفل ويستقبل الأشخاص ويكون محط أنظار الجميع من دون أن تبدو عليه أي من هذه العلامات؟

فبصراحة أنا مرعوب فأنقذوني الله ينقذكم من النار.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فأنا أعتقد أنه من الضروري للإنسان أن يعالج الرهاب الاجتماعي، حتى وإن لم يكن لديه مناسبة معينة؛ لأن الرهاب الاجتماعي بالرغم من أن علاجه سهل، ولكن الكثير من الناس لا يقدم على ذلك، أو يتردد في ذلك، أو لا يثق في أن العلاج يمكن أن يفيده، بالرغم من أن الرهاب الاجتماعي حقيقةً يسبب إعاقة اجتماعية للكثير من الناس.

أخ محمد! نسأل الله أن يتم لك أمر الزواج بخير، وعليك أن تشرع في رأيي من الآن في أن تعالج الرهاب بصفة عامة وذلك عن طريق التفكير المضاد لفكرة الخوف.

أولاً: عليك أن تعالج نفسك بما يعرف بالتعرض في الخيال، أجلس في غرفة هادئة، ثم تخيل نفسك أنك في حفلة العرس، وأنك تستقبل الضيوف والزوار والمهنئين، عش هذه اللحظات بدقة وتفصيل وتمعن، وحاول أن تنقل نفسك من الخيال إلى الواقع، أي كأنك تعيش الواقع كما هو أمامك، هذا التفكير يجب أن يستمر لمدة نصف ساعة إلى 45 دقيقة، بمعدل مرتين في اليوم، وهو يتطلب الجدية في التفكير، وأن تأخذ الأمور على محمل الجد، في هذه الحالة سوف تنتفع من ذلك كثيراً.

عليك أيضاً أن تنقل خيالك إلى مواقف اجتماعية أخرى، على سبيل المثال تخيل وتصور أنه قد طُلب منك أن تقوم بصلاة الجمعة، بأن تؤم المصلين وتقوم قطعاً بإلقاء الخطبة، وذلك لأن الإمام الراتب أو الإمام الذي من المفترض أن يصلي قد تأخر لعذر ما، عش هذا الخيال وتصور أنك قد أوكلت لك هذه المهمة العظيمة، ولابد أن تفكر في أنك -إن شاء- الله لديك المقدرة والإمكانيات التامة لمواجهة هذا الموقف، ولابد للإنسان أن يفكر أنه من الضروري أن يحسن الأداء أمام الآخرين، وأنت إن شاء الله أهلٌ لذلك.

هذه النقلات في الخيال تعتبر ركيزة علاجية أساسية، بعد ذلك لابد لك أن تحاول أن تصحح من بعض المفاهيم الخاطئة حول الرهاب الاجتماعي، وأكثر الأخطاء الشائعة هي أن معظم مرضى الرهاب يعتقدون أنهم تحت المراقبة من قبل الآخرين، أو أن هنالك نوعا من الرصد لتصرفاتهم وحركاتهم، أو أنهم سوف يفشلون أمام الآخرين، أو أن الواحد سوف يسقط أو أنه يرتعش.

أرجو أن أؤكد لك أيها الأخ الفاضل محمد، أن هذا التصور وهذا التفكير وهذا الاعتقاد ليس بالصحيح، لقد أجريت تجارب قام فيها الباحثون بتصوير الأشخاص الذين يعانون من الرهاب الاجتماعي عن طريق الفيديو، بعد أن تم وضعهم في موقف اجتماعي لا يمكن الخروج منه، وبعد ذلك عرضت عليهم هذه الأشرطة، وقبل عرض الأشرطة كانوا كلهم يعتقدون أنهم قد فشلوا أمام الآخرين، وأنهم كانوا مصدر السخرية والاستهزاء من الآخرين، ولكن بعد أن عرض عليهم الفيديو تأكد لهم أن هذا الاعتقاد لم يكن صحيحاً أبداً، حسب الوضع الذي تصوروه وتخيلوه، فأرجو أيضاً أن تغير أنت من مفاهيمك وأفكارك عن الرهاب الاجتماعي؛ لأن ذلك في الحقيقة يعتبر داعماً علاجياً أساسياً.

الطريقة الأخرى للعلاج وهي هامة جدّاً، هي أن تتناول من الآن الأدوية المضادة للرهاب الاجتماعي، وأفضل الأدوية المضادة للرهاب الاجتماعي هو العقار الذي يعرف باسم زيروكسات، أرجو أن تبدأ في تناوله بجرعة 10 مليجرامات – أي نصف حبة – ليلاً لمدة أسبوعين، ثم بعد ذلك ترفع الجرعة بمعدل نصف حبة أيضاً كل أسبوعين، حتى تصل إلى 40 مليجراماً في اليوم – أي حبتين – وتستمر على هذه الجرعة على الأقل مدة أربعة إلى خمسة أشهر، ثم بعد ذلك تبدأ بتخفيض الجرعة بمعدل نصف حبة كل شهر حتى تتوقف عن الدواء تماماً.

كما ذكرت لك الهدف والقصد هو أن تتخلص من الرهاب في جميع أشكاله وفي جميع ألوانه، وفي كل المواقف والمواقع.

هنالك بعض الأدوية الإسعافية، ومنها العقار الذي يعرف باسم زاناكس، هذا العقار سريع التأثير والفاعلية في علاج الخوف والرهاب، ولكن لا ننصح به إلا في حالات الطوارئ؛ لأنه حقيقةً ربما يؤدي إلى نوع من التعود والإدمان إذا استمر عليه الإنسان لفترات طويلة.

جرعة الزاناكس هي ربع مليجرام يأخذ ساعتين قبل أن يعرض الإنسان نفسه للموقف الاجتماعي، ولكن صدقني إذا اتبعت الإرشادات السابقة وقمت بتناول الزيروكسات بجرعة منتظمة - كما وصفته لك – لن تحتاج مطلقاً لهذا العلاج وهو الزاناكس.

ختاماً: أرجو أن أؤكد لك أن الرهاب الاجتماعي يمكن أن يعالج، وهو شيء مكتسب وليس شيئاً فطرياً، والشيء المكتسب يمكن أن يفقد في أي لحظة، وأتمنى لك إن شاء الله زواجاً سعيداً قائماً على الرحمة والمودة والسكينة.

وبالله التوفيق.


مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً