الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

انتظرته كثيرًا وعلقت قلبي به ولم يأت لخطبتي، فهل أتركه؟

السؤال

بسم الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.

ألجأ إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إلى فضيلتكم لاستشارتكم في مسألة لطالما استخرتُ الله فيها ولا زلت، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.

أنا فتاة في التاسعة والعشرين من عمري، أحسب نفسي على قدر من الدين ولله الحمد، تابعتُ دراستي العليا في إحدى الجامعات الأوروبية، وبعد تخرجي عدتُ إلى وطني لممارسة مهنتي بهدف نشر العلم، راجية من الله أن يسخرني لخدمة الإسلام والمسلمين، وأن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم.

بدأت قصتي أثناء الدراسة حين تعرفتُ (في حدود الزمالة الدراسية فقط) إلى شاب من بلدي، يُشهد له بالدين والخلق الطيب، لم أكن وقتها ملتزمة بالحجاب، وبعدما منَّ الله عليَّ بارتدائه، لاحظتُ تزايد اهتمامه بي، لكنني تجاهلتُ الأمر ظناً مني أنها أوهام، إذ كنتُ أعتبره أخاً أكبر لي في حدود الدراسة.

بعد التزامي، بدأ من حولي يشيرون إلى أننا قد نشكل زوجين مثاليين لتقارب طباعنا ومسارنا الدراسي، ولم تكن هذه الأقاويل لتغير نظرتي تجاهه، حتى بدأتُ ألحظ في نفسي ميلاً نحوه، وتساءلتُ: لِمَ لا، وهو ذو دين وخلق كما حثنا النبي ﷺ؟ أخبرتُ صديقة مقربة، فكشفت لي أنه أبدى اهتماماً بي لزوجها، لكنه يخشى مسؤولية الزواج حالياً لظروف يجهلها الجميع قد تستغرق وقتاً، فرحتُ وقررتُ انتظاره، ولازمتُ الاستخارة منذ ذلك الحين.

لم تكن تجمعنا سوى تحية الإسلام، وسؤال عابر في الجامعة، وفي إحدى المرات نصحني بالعودة للوطن بعد الدراسة، وكان هو يتأهب للعودة النهائية والاستقرار هناك، فهمتُ أنه يلمح لأمر ما، فاستخرتُ الله وعدتُ لوطني فور تخرجي.

تواصلتُ معه إلكترونياً لاستشارته في إجراءات إدارية تخص معادلة الشهادات، وكنتُ آمل أن يفاتحني في أمر الخطبة، لكن ذلك لم يحدث.

تقدم لخطبتي الكثيرون، وكنتُ أستخير وأتوكل على الله، فلا يُكتب النصيب لأحد منهم، وفي يوم اشتد فيه حزني، سجدتُ لله باكية وسألته آيةً تطمئن قلبي: أهو زوجي أم غيره؟ وبعد الصلاة، فتحتُ المصحف على وردي اليومي، فكانت الآية (189) من سورة الأعراف: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا...}. فاضت دموعي فرحاً واعتبرتها علامة من الله، وأيقنتُ أنه سيكون زوجي، صرتُ بعدها أرفض الخطاب براحة نفسية إذا لم يتيسر الأمر.

بعد العودة للوطن، تبادلنا رسائل مقتضبة حول العمل، وأخبرني بتعثر حصوله على وظيفة، ثم انقطعت أخباره تماماً منذ شهور، لا زلتُ أستخير، وكلما هممتُ بالإقلاع عن التفكير فيه تبادرت الآية إلى ذهني.

أنا في حيرة، لا أجد من يجس نبضه، أو يخبرني بحاله، ورغم انشغالي بحفظ القرآن والعمل، إلا أنه لا يفارق مخيلتي.

أرجو منكم النصيحة لتمييز الخطأ من الصواب، وجزيتم عني خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فمرحباً بك أختنا الكريمة في موقعك استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير حيث كان ويرضيك به، وييسر لك الزوج الصالح الذي تقر به عينك وتسكن إليه نفسك.

ونحن ندرك ما تعانينه أيتها الكريمة من تعلق قلبك بهذا الشاب، واسمحي لنا أن نقول لك إن ذلك التعلق هو ثمرة وقوعك في مخالفات لأمر ربك لك، من النظر إلى هذا الشاب والتحدث إليه ومراسلته، وغير ذلك، ولو أنك قطعت الصلة به من أوله؛ ما كان حدث هذا التعلق في قلبك.

وعلى أية حال، فنحن نقدم لك نصيحتنا آملين أن تتقبليها وتأخذي بها بجد وحزم، وهي نصيحة ممن يحب لك الخير ويتمنى لك السعادة، ونصيحتنا -أختنا الكريمة- أن تقطعي عن قلبك التعلق بهذا الشاب، وهذا سهل بإذن الله تعالى، والطريق إلى ذلك أن تيأسي منه، والنفس إذا يئست من شيء نسته.

فواضح جداً أن هذا الرجل إما أنه لا يرغب بالزواج منك، أو أنه غير قادر على الزواج، وعلى كلا الاحتمالين لا خير لك في التعلق به، وانتظاره ورد الخطاب لأجله.

نحن نحذرك أيتها العزيزة من أن تتمسكي بالوهم وتتركي الحقيقة، ونصيحتنا لك أن تبادري بمشاورة العقلاء من أهلك حين يتقدم لك من ترضين دينه وخلقه، وأن تستخيري الله تعالى ثم تقبلي به، وسيضع الله تعالى حبه في قلبك، فهذا هو القرار الصحيح الذي لا ينبغي أن تترددي في اتخاذه، فإن العمر يمضي، وإذا كبرت في السن ربما فاتك قطار الزواج، وقد حدث هذا مع كثيرات قبلك، والسعيدة من اتعظت بغيرها.

ثم لا ينبغي لك إن كنت عاقلة؛ أن تتركي من يرغب فيك لتتعلقي بمن يرغب عنك، فلو كان هذا الرجل صادقاً في كونه يريد الزواج بك لفعل ما كان يمكنه من أسباب، كأن يخطبك ويطلب الانتظار أو نحو ذلك.

وما دام الأمر قد انقطع من جهته فلماذا إذًا التعلق بالوهم؟ كوني عاقلة أيتها الكريمة، واحرصي على ما ينفعك، واعلمي جيداً أن الصفات التي أعجبتك في ذلك الرجل ستجدين مثلها، بل وخيراً منها في آخرين، ووصيتنا أن لا تحرصي على ما لم يقدره الله تعالى لك.

فإنه سبحانه أعلم بمصالحك منك، وهو أرحم بك من نفسك، فإذا لم يقدر لك بالزواج بهذا الشاب، فلعله شر صرفه عنك وأنت لا تشعرين، فقد قال الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}، نسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير، وييسر لك ما يسعدك في دنياك وآخرتك.

وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً