الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ولدي اعترف لي بتعاطي المخدرات..فهل هي السبب في ضعف تركيزه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أولًا: أشكركم على مساعدتكم المخلصة والأمينة للشباب، ومد يد العون لهم لوجه الله، في وقت كثر فيه الفساد، أسأل الله أن يحفظهم جميعًا.

أنا أم لشاب يبلغ 23 سنة، في السنة الأخيرة بكلية مرموقة، وكان يشتكي منذ فترة من نسيان ما يذاكره، وضعف التركيز، ومع ذلك كان ينجح كل عام، حتى جاءت السنة النهائية، فاجتاز امتحان الفصل الأول، وبقيت عليه مادتان، وقيل له: لا بد أن ينجح في الفصل الثاني دون رسوب حتى تُرفع له درجات المادتين، وإلَّا سيعيد السنة.

وقد ذاكر ولكن ليس بالقدر المطلوب، ودخل أول امتحان، ثم لم يتمكن من دخول بقية الامتحانات؛ لأنه كان يذهب إلى الامتحان وقد نسي ما ذاكره، وأصابته حالة نفسية من فقدان الثقة بالنفس والاكتئاب.

ذهب إلى طبيب، وهو صديق وأستاذ بالجامعة، فوصف له دواء "سيبرالكس"، وخلال أسبوع تحسَّنت حالته النفسية، لكن بقيت مشكلة ضعف التركيز، وصعوبة الحفظ، وقلة النوم.

واعترف لي منذ سنة ونصف أنه كان يتعاطى "الـترامادول"، وأحيانًا "الحشيش"، وقبل الامتحانات بشهر تاب إلى الله، وأقلع عن كل شيء، حتى السجائر، ومنذ ذلك الحين بدأ يشعر بعدم الثقة، وضعف التركيز؛ ممَّا سبب له القلق وقلة النوم، وكان الامتحان الوحيد الذي حضره في هذا الفصل بعد أن سهر طوال الليل يذاكر، ثم ذهب إلى الامتحان دون نوم.

فسؤالي هو: هل تعاطي المخدرات سابقًا هو السبب في ضعف التركيز، وعدم القدرة على الحفظ والفهم؟ وما كيفية العلاج؟ وهل تأثيرها على الدماغ مؤقت، أم قد يترك أثرًا دائمًا؟

وهل يوجد دواء يساعد على تحسين التركيز؟ حيث ذكر له الطبيب -وهو أستاذ باطنية- أنه يمكنه أخذ حقنتين من دواء "نيتروبال" في الوريد ليلة الامتحان، مع كبسولات من الدواء نفسه كل أربع ساعات؛ ممَّا يساعده على تذكر ما درسه، فهل هذا صحيح؟

أرجو سرعة الإفادة، وجزاكم الله خير الجزاء.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Mona حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك في استشارات إسلام ويب، ويسعدنا جدًّا مساعدتكم، وستكون الإجابة على النحو التالي:

أولًا: أسباب ضعف التركيز:
نحن نقدِّر اهتمامك بأمر الشباب، ونسأل الله تعالى أن يحفظهم وأن يهديهم لطريق الخير والصلاح، وإن شكوى عدم التركيز هي في الحقيقة -في أغلب الظن- ناتجة من أسباب نفسية، ولا علاقة للأمر بجراحة المخ والأعصاب.

من أكبر الأسباب التي تقلل من التركيز في هذا العمر هي القلق والتوتر النفسي، وأيضًا في بعض الحالات يكون الاكتئاب النفسي سببًا، كما أن التكاسل وعدم إدارة الوقت بصورة صحيحة، وضعف الهمة، وفقدان الدافعية نحو التعليم والتعلم؛ كلها عوامل تلعب دورًا في أن لا يستطيع الإنسان أن يكون مركزًا ويقل استيعابه.

ثانيًا: أثر المؤثرات العقلية:
هذا الابن تعاطى المؤثرات العقلية، وهي الحشيش والترامادول لفترة، ولابد أن ننظر لهذا الأمر بجدية، والمخدرات لا شك أنها تؤثر سلبًا على تركيز الإنسان وعلى انتباهه، وتؤدي أيضًا إلى فقدان الطموح لدى الإنسان، وهذا بعكس ما يعتقد المدمنون والمتعاطون لهذه المواد، ولكن يعرف أيضًا أن الإنسان حين يتوقف ويكون جادًا في دراسته وتركيزه، ويعيش الحياة بصورة طبيعية؛ فإن الأمور ترجع إلى طبيعتها بعد مدة قصيرة من الزمن.

هناك شق هام جدًّا في هذا الأمر، وهو أن وجود القلق والتوتر، وعدم الاستقرار في الشخصية، وسرعة الانقياد، والتأثر بالآخرين، ربما يكون هو الذي دفع هذا الشاب في الأصل لأن يبدأ في تعاطي المواد المخدرة.

إذًا: إذا اعتبرنا أن لديه علة من قبل التعاطي، هذا أيضًا يعتبر تفسيرًا معقولًا، وبعد أن تعاطى تدهورت الأمور أكثر، ولكن بما أنه قد أقلع الآن فهذه خطوة إيجابية، ويجب أن يُشجع على ذلك، وأن يُساند في ذلك.

ثالثًا: التوجيه الطبي والدوائي:
الذي أراه أن هذا الشاب إذا تواصل مع الطبيب النفسي، وليس الطبيب الباطني، وليس جراح المخ والأعصاب، فسيكون هذا هو الأفضل بالنسبة له، وبصورة عامة الأدوية المضادة للقلق والاكتئاب سوف تفيده نسبيًا، وأعتقد أن تناول "السبرالكس - Cipralex" أو "المودابكس - Moodapex" أو الأدوية المشابهة مطلوبة في حالة هذا الشاب.

والأدوية التي وصفها الطبيب أستاذ الأمراض الباطنة وهي الـ "نتروبيل - Nootropil"، -مع احترامي الشديد- هذه الأدوية حولها الكثير من الخلاف، فهنالك من قال إنها تحسن التركيز خاصة لدى كبار السن، ولكن التجارب لم تدل أن فعاليتها واضحة بصورة علمية.

عمومًا أنا أقول إن هذا الشاب – حفظه الله – يمكن أن يتناول هذا الدواء، ولكن ليس عن طريق الحقن أو الإبر، ولا أعتقد أن فعاليتها سوف تحدث بسرعة، لا مانع من أن يتناول هذا الدواء بجرعة (أربعمائة مليجرام صباحًا ومساءً)، ويستمر عليها لمدة شهرين أو ثلاثة، ليس له آثار جانبية مضرة، فإذا حدث منه نفع فالحمد لله تعالى، وإذا لم يحدث نفع أيضًا لن يكون قد خسر أي شيء.

رابعًا: نصائح عملية للتأهيل:
هناك أمور مهمة، وهي أن هذا الابن -حفظه الله-: لا بد أن يُساعَد في تنظيم الوقت، فساعدوه في ترتيب وقته ووضع أولويات في حياته، لا بد أن يجد من يوجهه ويضع له خارطة زمنية يدير من خلالها وقته، وهناك أوقات طيبة للمذاكرة يجب أن يتخيرها ويتحينها، ومن هذه الأوقات الوقت بعد صلاة الفجر مثلًا، هنا يكون استيعاب الإنسان جيدًا جدًّا.

عليه أن يمارس الرياضة، حتى وإن كان مُقدمًا على الامتحان؛ لأن الرياضة تحسن من التركيز بصورة جيدة، وتمارين الاسترخاء، خاصة تمارين التنفس التدريجي، تساعد كثيرًا أيضًا في تحسين التركيز.

وإذا حاول أيضًا أن يدرس مع مجموعة من زملائه، فهذا أيضًا فيه الكثير من الخير، هذا هو الذي أراه، وأسأل الله له النجاح، وعليكم أن تحفزوه، وأن تدفعوه، وأن تشجعوه؛ لأن هذا من وجهة نظري مهم أيضًا ويساعد كثيرًا.

نسأل الله له التوفيق والسداد، ونوصيكم بالتواصل معنا دائمًا عبر الموقع، ونشكرك كثيرًا على تواصلك مع إسلام ويب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً