الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قلق شديد واكتئاب وصعوبات في الاستيعاب وأفكار سلبية.. أفيدوني

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قلق شديد، اكتئاب، وصعوبات قديمة في التنسيق الحركي.

أنا شاب في العشرينات، أعاني منذ الطفولة من صعوبات واضحة في التنسيق الحركي والمهارات البسيطة (مثل بعض الأعمال اليدوية)، وقد سبّبت لي هذه الصعوبات مواقف محرجة وتجارب قاسية أثّرت كثيرًا على ثقتي بنفسي.

مع مرور السنوات تطوّر لدي شعور دائم بأني أقل من الآخرين، وترافق ذلك مع:

- حزن مستمر وثقل في الصدر.
- قلق شديد عند التواجد بين الناس، أو التقديم أمام الآخرين.
- نوبات ضيق مفاجئة قد تصل إلى البكاء دون سبب واضح.
- ضعف في التركيز، وصعوبة في الاستيعاب والنسيان السريع.
- أفكار سلبية قاسية عن نفسي، وأحيانًا أفكار بإيذاء النفس (دون تنفيذ).

أنا ملتزم دينيًا، وأجد بعض الطمأنينة بعد الصلاة، لكن الأعراض النفسية لا تزول، بدأت دراستي الجامعية مؤخرًا، إلا أن القلق وضعف الثقة أثّرا على تحصيلي.

سؤالي لكم:

1. هل ما أعانيه قد يكون اضطرابًا نفسيًا (مثل الاكتئاب أو القلق الاجتماعي) مرتبطًا بصعوبات نمائية قديمة؟
2. هل تنصحون بمراجعة طبيب نفسي، أم يمكن البدء بالعلاج السلوكي فقط؟
3. ما الخطوات العملية التي تنصحون بها للتعامل مع هذه الحالة من منظور نفسي وإيماني؟

جزاكم الله خيرًا، ونفع الله بعلمكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ صالح حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

شكرًا جزيلاً على رسالتك وعلى استشارتك بعنوان: قلق شديد، اكتئاب، وصعوبات قديمة في التنسيق الحركي.

الأخ الفاضل، أولًا: وضعت في رسالتك مجموعة من الأسئلة نحاول –إن شاء الله– الإجابة عنها، وهي تتلخص في ثلاثة أسئلة:

السؤال الأول: عن ما ذكرته في الاستشارة من شعور دائم بأنك أقل من الآخرين، ويرافقه حزن مستمر وثقل في الصدر، قلق شديد، وأحيانًا نوبات ضيق مفاجئة بدون سبب واضح، مع صعوبات في التركيز، وكذلك أفكار سلبية عن نفسك كما ذكرت، وسألت: هل ما تعانيه قد يكون اضطرابًا نفسيًا مثل: الاكتئاب، أو القلق الاجتماعي مرتبطًا بصعوبات نمائية قديمة؟

طبعًا من الصعب جدًا الإجابة عن هذا السؤال، إذ يصعب عمل تشخيص من خلال المعلومات البسيطة التي ذكرتها، ولكن من خلال حديثك، أو من خلال الاستشارة نستطيع أن نقول إن لديك صعوبات في أحاسيسك أو مشاعرك، وصعوبات في التحكم في بعض المشاعر، مما يؤثر على إحساسك أو تواصلك مع الآخرين، ومما يؤثر على ثقتك بنفسك كما ذكرت.

هذه الأشياء تتلخص في وجود بعض نوبات القلق، وتقلبات في المزاج، ذكرت منها حدوث بعض نوبات البكاء، وكذلك الصعوبات في التركيز، وأحيانًا الصعوبات في الذاكرة، عندما تجتمع كل هذه الأعراض مع بعضها البعض، ولفترة تزيد على أكثر من أسبوعين، فإنها عادة ما تقودنا إلى الشك في وجود اضطراب القلق أو اضطراب الاكتئاب.

وهذان النوعان من الاضطرابات شائعان، ويمكن معالجتهما بسهولة، ويمكن أيضًا معالجتهما ببعض التدخلات النفسية مثل العلاج السلوكي الذي ذكرته في سؤالك الثاني.

فمن ناحية: هل هذا اضطراب نفسي مكتمل؟ فهذا يتطلب عملية تقييم حتى يتم التشخيص بشكل عام، ولكن وجود هذه الأعراض لا يعني بالضرورة أن هناك اضطرابًا نفسيًا، وإنما يمكن أن تكون أعراضًا موجودة أحيانًا، وتزيد وتنقص حسب الضغوطات الحياتية المختلفة، وخاصة أنك ذكرت أنك بدأت دراستك الجامعية، وبالتالي قد تكون هذه فترة انتقال صعبة تؤثر أحيانًا على تقلبات المزاج، وعلى الضغط النفسي، وعلى القلق الشديد، وكذلك على التركيز والثقة بالنفس.

السؤال الثاني: هل تنصح أن أراجع الطبيب النفسي؟
أخي الفاضل: لا يوجد أي مشكلة في مراجعة الطبيب النفسي من حيث المبدأ، فالأمر هو مراجعة طبيب مثل مراجعة الطبيب الذي يعالج السكر، أو الضغط، أو أي أمراض أخرى، تستطيع أن تراجع الطبيب النفسي لينظر في حالتك، وللتأكد من أن هذه الأعراض تصل إلى الدرجة التي تؤثر فيها على حياتك اليومية بالشكل الذي يمكن تشخيص القلق، أو الاكتئاب أم لا، وحتى إذا لم يتم تشخيص هذين الاضطرابين، فمسألة العلاج يمكن أن تتم عن طريق العلاج السلوكي، وخاصة أنك ذكرت أن ما حدث لك منذ الطفولة يؤثر على ثقتك بنفسك، فمجرد اتباع بعض الإرشادات والعلاج السلوكي يمكن أن يساعد على رفع ثقتك بنفسك، وبالتالي التخلص من كثير من هذه الأعراض، والتخلص من القلق ونوبات المزاج المتقلب.

السؤال الثالث: ما هي الخطوات العملية التي تنصح بها؟
كما ذكرت، فإن سؤالك الأول والثاني يرتبطان بالسؤال الثالث.

فإذا بدأت بالخطوة الأولى، وهي مراجعة الطبيب النفسي للتأكد من عملية التشخيص، فلا بد أن يقوم الطبيب بعملية التقييم، وبالتالي وضع الخطة العلاجية التي تساعدك، سواء تضمنت بعض التدخلات النفسية أو لا، هذه خطوة مهمة.

أما في حالة أنك لا تريد أو يصعب عليك الوصول إلى الطبيب النفسي في هذه المرحلة، فلا شك أن هناك الكثير من الطرق الأخرى التي يمكن بواسطتها التخلص من القلق، وزيادة قدرتك على التعامل مع الأشخاص الآخرين، وتعزيز ثقتك بنفسك، من خلال بعض البرامج التي تقدمها الجامعات لطلابها كنوع من الدعم النفسي، حتى يقوموا بالتأقلم مع الحياة الجديدة، وخاصة الحياة الجامعية وضغوطاتها، فإذا بدأت بهذا الأمر أيضًا، فهذا يمكن أن يساعدك كثيرًا.

موضوع الأفكار السلبية: لا بد من محاربتها، والحمد لله أنك ذكرت في رسالتك أنك رجل ملتزم دينيًا، وأنك تحس بالاطمئنان كثيرًا بعد الصلاة، فهذا مؤشر إيجابي إلى أن ما لديك قد لا يرقى إلى مستوى الاضطراب النفسي، ولكنه يحتاج منك إلى المثابرة والالتزام على هذا النهج القويم، وإن شاء الله يجعل الله لك فيها الشفاء التام.

بارك الله فيك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً