الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أخشى على أمي أن تموت وهي مفرطة في جنب الله، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أمي تبلغ من العمر ستين سنة، وهي لا تؤدي واجباتها الدينية بالكامل؛ فصلاتها متقطعة، ولم تصم منذ أكثر من ثلاثين سنة، بحجة أنها ضعيفة الجسد ولا تستطيع، ولا تخرج زكاة المال، كما أنها هجرت كتاب الله!

حاولتُ كثيرًا أن أنصحها، وكذلك فعل والدي، لكنها لا تستمع إلينا أبدًا، وتغضب غضبًا شديدًا كلما فتحنا معها هذا الموضوع، لا أعرف من أين جاءها هذا الاطمئنان الغريب، كأنها لا تخاف من وعيد الله، ولا ترى في ترك الطاعات مشكلة.

أكثر ما يؤلمني هو السؤال الذي لا يفارقني: كيف ستقابل الله؟ وكيف سيكون حالها وصحيفتها هكذا؟

هل هناك توبة نصوح في هذا العمر؟ إن ماتت على هذه الحال، أشعر أن ذلك سيكون نقطة سوداء ترافقني بقية حياتي، ولا أشعر أن أي شيء قد تتركه لي سيعوض هذا الهم؛ بل على العكس، أخاف أن أعيش بعدها في قلق دائم، لذا، أبذلُ من مالي ووقتي بنية التكفير عنها؛ رغبةً في تهدئة نفسي فحسب.

كيف يمكن لإنسان أن يبلغ هذا العمر، وقد تكاثرت عليه الأمراض النفسية والبدنية، ثم لا يخاف الله ولا يطيعه طاعة كاملة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.

ما هو الحل؟ لقد حاولنا كثيرًا إقناعها وتعديل سلوكها لكننا فشلنا؛ فهل من نصيحة؟ وهل نعدُّ مقصرين؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Ramzi حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

بدايةً: نسأل الله أن يأجرك على سعيك في إصلاح أمك، فهذا من أعظم البر، ولا شك أن التقصير في الواجبات والفرائض في هذه المرحلة العمرية جدٌّ خطير، لكن ما دامت تُقِرّ بوجوب وفرض هذه العبادات ولا تجحد وجوبها، فهي في دائرة التقصير الذي يمكن التوبة منه، فقد جاء في الحديث: (إنَّ اللهَ يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ)، لذلك لا تيأس من المحاولة، ولا من البحث عن طرق ووسائل لتليين قلبها وتعريفها بخطر هذا التهاون.

أخي العزيز، قد يكون الأسلوب المتَّبع في دعوتها مُنَفِّرًا، أو طريقة إيصال خطر الترك فيها نوع من القسوة؛ او اختيار وقت النصيحة غير مناسب، لذلك سنضع بين يديك مجموعة من التوجيهات والنصائح المهمة التي تساعدك في دعوة والدتك:

أولًا: غضب والدتك الشديد عند النصح يشير غالبًا إلى آلية دفاعية، خصوصًا عندما يأتي النصح من الابن الذي يُعَدّ في نظر الأم صغيرًا ومحتاجًا لها، وربما تشعر بالذنب في نفسها، فترد الهجوم بالهجوم؛ لتهرب من مواجهة تقصيرها، لذلك من المهم جدًّا عدم المواجهة المباشرة عبر اللوم والذم أو التهديد، وإنما الدعوة باللين والرفق قدر المستطاع وبشكل مستمر.

فمثلًا: توقف تمامًا عن قول: «صَلِّي» أو «خافي الله»، فكثرة الإلحاح تولِّد العناد، واستبدل ذلك بالدعوة بالقدوة، وبالأفعال التي يظهر فيها حبك لها ورحمتك بها، قم بخدمتها بشكل أكبر، وقدِّم لها هدية تحبها، واحرص على إسعادها وإدخال الفرح والبهجة إلى قلبها، فستستحيي من مقابلة إحسانك بما تكره، وستجد أنها تبادر بنفسها لفعل ما تحب، فقد قال رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-: (ما كان الرِّفق في شيءٍ إلا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ إلا شانَه).

ثانيًا: هيِّئ الأجواء من حولها لتحب الدين وممارسة العبادات، وحاول أن تتعاون مع رفيقاتها من النساء الصالحات؛ ليأخذنها إلى المسجد مثلًا، أو يقمن بزيارتها في جلسات عامة تُناقَش فيها أمور نافعة، حاول مثلًا السفر معها في نزهة أو رحلة حج أو عمرة لعل قلبها يلين، فعندما ترى الصلاة وذكر الله وتلاوة القرآن من حولها، ستشعر بالأنس لا بالغربة، وربما شعرت بالوحشة إن بقيت بعيدة لوحدها عن هذه الأجواء.

كما يمكن إلحاقها بجلسات تحفيظ القرآن، أو تلاوته، أو بمحاضرات وعظيه عامة، وبنفس الوقت حاول إبعادها عن كل ما يشغلها عن طاعة الله تعالى، وأظهر لها عمليًا حرصك على الصلاة والدين أنت ومن يعيش معها، لتشعر بأن من حولها يختلفون عنها، فيكون ذلك دافعًا نفسيًا للمبادرة إلى عدم الابتعاد عن الجماعة،
كذلك ابحث إن كان من جليساتها من يُسَهِّل لها التهاون في الصلاة، أو يدفعها إلى التفريط، وحاول صرفها عن تلك المجالس.

ثالثًا: اعتمد على الدعوة غير المباشرة في أغلب الأوقات؛ كتشغيل القرآن أو المحاضرات في البيت، أو اصطحابها إلى محاضرة عامة أو إلى المسجد، أو إشراكها في رحلة مع نساء صالحات، فهذا سيساعدها كثيرًا في الخروج من عزلتها، ويخفف من المشكلات النفسية التي قد تعاني منها.

رابعًا: تجنب النصح في لحظات الانفعال أو الغضب؛ لأن ذلك يدفعها للغضب والمكابرة، وربما لتعمد رفض ما تريد إثباتًا لوجودها وقوتها وأنها صاحب قرار، واستغل أوقات الرخاء والهدوء، ومواسم الخير كشهر رمضان وغيره، لتكثف جهدك في إحاطتها بأجواء إيمانية، وتعاون أنت ووالدك ومن يعيش معها في هذا الأمر.

خامسًا: أكثر من الدعاء والتضرع إلى الله تعالى أن يهدي أمك، ويشرح صدرها، وييسر لها التوبة، ويوقظ قلبها من هذا التقصير الخطير؛ فالله كريم رحيم، يجيب الدعاء ويكشف الكرب.

أخي الفاضل: الله يهدي من يشاء ومتى شاء، وما عليك إلا بذل الأسباب الممكنة، واستفراغ الوسع والطاقة في دعوتها إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن استجابت فلك الأجر والثواب، وإن لم تستجب فالله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقد أديت ما عليك من واجب النصيحة والدعوة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

فلا تعش في همٍّ وقلق يَأسر قلبك، ولكن اجتهد في النصح والدعاء والتضرع إلى الله، وبذل كل الأسباب الممكنة، أما الهداية فهي بيد الله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.

أخي الكريم: عندما تطول على الإنسان الغفلة والتهاون عن العبادات، والابتعاد عن بيئة الخير والصلاح، خصوصًا إذا عاش في بيئة غير مسلمة، ومجتمع يقدس الماديات كما في مجتمعات الغرب، فإن الالتزام الديني يصبح ضعيفًا -إلا من رحم الله-، لذلك يحتاج المسلم إلى مجاهدة وصبر، لهذا نهى العلماء عن الإقامة في بلاد غير المسلمين إلا لعذر قاهر ومؤقت، وقد تكون والدتك عاشت فترة طويلة بعيدة عمن يذكرها بالله، حتى علا على قلبها الران، كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

ومع ذلك، فقد يأذن الله بتوبة نصوح، وتوجه صادق، إذا صدق العبد في سعيه، وطلب أسباب الهداية والخير، فالله كريم، مهما بلغ الإنسان من العمر، ومهما كثرت ذنوبه، ما لم تبلغ الروح الحلقوم؛ فالتوبة مقبولة، ورحمة الله واسعة، فلا تيأس من النصيحة والاجتهاد في دعوة والدتك.

أخيرًا -أخي الفاضل-، نؤكد على أهمية الرفق واللين، والاستمرار دون ذمٍّ أو قسوة أو حدَّة في النصح، فذلك أدعى للقبول وأبعد عن التنفير، لا تيأس من فضل الله ورحمته، واستمر في دعوتها، فإن أراد الله لها التوبة فذلك فضل عظيم، وإن لم يأذن الله، فقد أديت ما عليك وبذلت وسعك، ولن يؤاخذك الله بذنب غيرك.

وفقك الله، ويسَّر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات