الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إدمان الهاتف أبعدني عن الله وجعل حياتي متوقفة!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالبة جامعية، وأعاني من إدمان الهاتف بدرجة كبيرة جداً، تصل إلى إيقاف حياتي حرفياً؛ إذ أمسك الهاتف لمدة طويلة بمتوسط 7 ساعات يومياً، ولا أستطيع تركه، أحتاجه في الدراسة والترجمة، ولكنني لا أعلم ماذا أفعل لأتركه، جربت وسائل كثيرة ولكنني فشلت.

لقد انخفض تركيزي بسببه، ولم أعد أقوى على دراستي، وكان سبباً لمشاكل جمة لي، والأسوأ أنه أبعدني عن الله أيضاً؛ فأنا أحاول الحفاظ على الفرائض بصعوبة، وقد أصبحت ثقيلة جداً.

كما أصبح عندي وساوس وشكوك في العقيدة، تؤدي للكفر -والعياذ بالله-؛ أعلم إجابتها ولكن داخلي مزعزع ولا أستطيع الثبات، وأشعر وكأن إيماني على اللسان فقط.

أصبحتُ أكره نفسي، فهذه النسخة ليست أنا؛ كنتُ على العكس تماماً، وعندما أتذكر ما كنتُ عليه أحزن حزناً شديداً.

وشكراً لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سمية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بداية: نثمن لك تواصلك، وطلب الاستشارة من موقع اسلام ويب، ومن خلال تفحص رسالتك تبين أنها تدل على وعي حيٍّ، وحرص صادق على الإصلاح، وهذا في حد ذاته علامة خير ينبغي أن تطمئني لها، فالشخص الذي يفقد الإحساس لا ينشغل بمراجعة نفسه، ولا يقلق على عبادته أو دراسته.

إن ما تمرين به يبدو نتيجة تداخل بين اعتياد طويل على الهاتف، وإجهاد نفسي، ووساوس فكرية، وكل واحد من هذه الأمور يغذي الآخر، حتى شعرت وكأن حياتك خرجت عن السيطرة، مع أن الأصل فيك لم يتغير، وإنما غُطِّي بطبقات من العادة والضغط.

الاستخدام المفرط للهاتف يرهق الدماغ، ويجعله معتادًا على الإثارة السريعة، فيضعف تحمله للتركيز الطويل؛ ولهذا تشعرين بثقل الدراسة وتشتت الانتباه، ثم يتولد الإحباط؛ فيدفعك ذلك إلى الهروب مجددًا للهاتف، طلبًا للراحة السريعة، فتدور الحلقة من جديد.

هذه دائرة سلوكية معروفة، وكسرها لا يكون بالمنع المفاجئ؛ لأنك تحتاجين الهاتف، بل بإعادة ضبط العلاقة معه تدريجيًا؛ فتدخلين الدراسة في فترات قصيرة محددة، وتستخدمين الهاتف بوعي لغرض واضح، ثم تغلقينه فور انتهاء الحاجة، ومع مرور الأيام يتم برمجة الدماغ من جديد على الصبر ودقة التركيز، ويبدأ الشعور بالقدرة تعود شيئًا فشيئًا.

أما ما ذكرتِه من ثقل العبادة والوساوس في العقيدة؛ فاعلمي أن مجرد انزعاجك منها وخوفك من آثارها دليل على وجود أصل الإيمان؛ لأن الوسواس يهاجم القلب الحريص لا الغافل، وهذه الخواطر لا تؤاخذين بها ما دمت تكرهينها ولا ترضينها، والمطلوب هنا هو الإعراض عنها لا مناقشتها؛ لأن تتبعها يثبتها بدل أن يزيلها، وعليك بالاستمرار في أداء الفرائض ولو مع شعور بالثقل، فالمجاهدة في هذه المرحلة عبادة عظيمة، وكثيرًا ما تعود حلاوة الطاعة بعد فترة من الصبر والانتظام، والإيمان بطبيعته يمر بحالات قوة وضعف، والثبات الهادئ أهم من الاندفاع المؤقت.

من المهم أن لا تعيشي هذه المرحلة في عزلة مع الهاتف فقط؛ لأن الانقطاع عن التفاعل الواقعي يزيد الضغط الداخلي، فيمكنك التقرب من الأسرة وتفاعلاتها الاجتماعية، ومشاركة صديقة جادة وثقة في الدراسة أو العبادة، أو حضور دروس وندوات دينية؛ فهذا يعيد للنفس توازنها، ويقوي الإرادة، والإنسان بطبيعته يتأثر بمن حوله، والبيئة الصالحة المعينة تخفف كثيرًا من ثقل المجاهدة الفردية.

أما عن نظرتك القاسية لنفسك الآن؛ فهي ناتجة عن المقارنة بين حالك الحالي وصورتك السابقة، لكن التغيير الإنساني لا يسير في خط مستقيم؛ حيث يعتري الانسان فترات ضعف وقوة، والمطلوب منك ليس أن تعودي فجأة كما كنت، بل أن تبني يومك على خطوات متدرجة ثابتة، ومنها على سبيل المثال: عبادة مستمرة ولو قليلة، دراسة قصيرة منتظمة، تقليل واعٍ لاستخدام الهاتف، وتواصل واقعي يغذي النفس، ومع التكرار ستلاحظين أن الثقل يخف، والتركيز يتحسن، والطمأنينة تعود تدريجيًا.

ونطمئنك بأن ما تعيشينه في هذه المرحلة قابل للتغيير، وليست حكمًا دائمًا عليك، وبتكرار المحاولة والمجاهدة مع نفسك برفق، والاستعانة بالله والتحصين بالأذكار المأثورة وبالتوبة والعزيمة الصادقة؛ سيتغير حالك للأفضل بإذن الله.

نسأل الله أن يثبتك، ويشرح صدرك، ويجعل هذه التجربة سببًا لقوة قلبك وصفاء طريقك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً