الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ابني يشرب الدخان ويتحداني، فهل العنف مفيد معه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بدايةً، أشكركم على هذا الموقع المفيد.

لقد راسلتُكم في مناسبتين حول مشاكلي في تربية ابني الأوسط منذ كان في العاشرة من عمره، أمّا الآن، وقد بلغ السادسة عشرة، فقد تفاقمت حدّة المشكلات، حتى أصبح على حافة الانحراف، فبالإضافة إلى تغيُّبه عن دروسه وافتعاله المشكلات في مدرسته، اكتشفتُ مؤخرًا أنه يُدخّن، ولما واجهته تحدّاني بأسلوبٍ فجّ، مما دفعني إلى التفكير جديًّا في استعمال العنف الشديد معه، أو طرده من البيت، غير أن خوفي عليه في هذه السن، جعلني أستنجد بمشورتكم.

لقد جرّبتُ معه شتّى الأساليب التربوية التي تعلّمتُها ودرستُها، بحكم عملي مستشارًا في التوجيه التربوي، ولكن دون جدوى، وكثيرًا ما أتساءل: هل قصّرتُ في مراقبته ونصحه؟ وهل كان ينبغي أن أفرض عليه احترامي؟ ولماذا ينجح بعض الآباء العنيفون جداً في كبح جماح أبنائهم؟ وهل ما تعلّمته يصلح لهذا النوع من المراهقين، الذي جعلني أكرهه أحيانًا وأحتقر نفسي لسماحي له بالتطاول عليّ، حتى بلغ به الأمر أن هدّدني بالسكين، وقاطع أمه لسنوات.

أرجو منكم الإجابة، فقد أصابني اليأس منه.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حسان حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تعيش تحت وطأة أزمة تربوية حادة مع ابنك البالغ من العمر ستة عشر عامًا، وأن هذه الأزمة قد بلغت مرحلةً بالغة الخطورة، حين وصل الأمر إلى التهديد بالسكين، ونحن ندرك تمامًا ثقل هذا العبء على قلب أب يحمل مسؤولية المستشار التربوي المحترف، فيجد نفسه عاجزًا أمام ابنه عما أفلح فيه مع غيره، فلا تستغرب هذا التناقض الظاهر؛ فكثيرًا ما يعمى الطبيب عن داء نفسه، وكثيرًا ما يعجز الحكيم في بيته عما ينجح به مع سواه.

ما تشعر به من إرهاق وإحباط وغضب، بل وما تسميه كرهًا واحتقارًا للنفس، هذه كلها مشاعر إنسانية طبيعية في مواجهة موقف بالغ القسوة، لكن المهم أن نفرق بين المشاعر الآنية العابرة وبين الحقيقة الثابتة، فأنت لم تكره ابنك بل تكره سلوكه، وما تشعر به من احتقار للنفس دليل على ضمير حي يرفض الاستسلام، لا على فشل حقيقي، وقد صور المتنبي هذه الحالة النفسية من الشعور بالإباء أمام المشكلات والمعضلات:
كَالخَيلِ يَمنَعُنا الشُّموخُ شِكايَةً ... وَتَئِنُّ مِن خَلفِ الضُّلوعِ جُروحُ

ومع ذلك، فلا بد من تقديم الشكوى أو الاستشارة لمن تتوسم فيهم الإعانة، كما قال بشار بن برد:
وَلابُدَّ مِن شَكوى إِلى ذي مُروءَةٍ ... يُواسيكَ أَو يُسليكَ أَو يَتَوَجَّعُ

أخي الكريم، إن قصة نبي الله نوح -عليه السلام- مع ابنه الكافر تحمل لنا درسًا عظيمًا، فنوح كان نبيًا معصومًا، ومع ذلك لم ينفع ابنه إذ أبى وعصى، قال تعالى: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ}، وهذا لا يعني التخلي عن الدور، بل يعني أن الهداية بيد الله وحده، وأن المطلوب منا هو بذل الأسباب، لا ضمان النتائج، وقد نزلت هذه الآية بشأن أبي طالب عم النبي ﷺ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلُكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (القصص: 56).

أمَّا ما يتعلق بإجابات أسئلتك الثلاثة:
أولًا: هل قصرت في مراقبته ونصحه؟
لا يمكننا القطع بذلك من رسالتك، ولكن من الطبيعي أن أي أب يسأل نفسه هذا السؤال، والأكثر احتمالًا أنك لم تقصر في النصيحة، بل ربما كانت النصيحة نفسها كثيرةً، فتحولت في نظره إلى ضغط لا تحفيز، فالمراهق في هذه المرحلة يمر بما يسميه علماء النفس (أزمة الهوية) وهي مرحلة يميل فيها إلى رفض كل ما تمثله السلطة، ويبحث عن إثبات ذاته ولو بالتمرد، وكونك مستشارًا تربويًا قد يُضاعف الأمر، لأن الابن يشعر بثقل التوقعات فيزداد تمردًا.

ثانيًا: لماذا ينجح الآباء العنيفون في كبح جماح أبنائهم؟
هذه المقارنة الشائعة مضللة جدًّا، ونرجو أن ننتبه لها، فما تراه من نجاح الآباء العنيفين، هو في الغالب امتثال ظاهري مبني على الخوف، لا على الاقتناع، وغالبًا ما ينفجر هذا الامتثال حين يكبر الابن ويستقل، ويتحول إلى علاقة متشققة، أو إلى شخصية تحمل جروحًا عميقةً، وقد قال النبي ﷺ: (إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) رواه مسلم، والرفق لا يعني التساهل المطلق بل يعني حكمة التعامل وإحكام الأسلوب.

ثالثًا: هل ما تعلمته يناسب هذا النوع من المراهق؟
نعم، يناسبه، لكن ربما الإشكال في التطبيق لا في المنهج، فأساليب التوجيه التربوي تستلزم مسافةً عاطفيةً مناسبةً بين المستشار والحالة، وهذه المسافة تكاد تكون مستحيلةً حين تكون أنت الأب صاحب الأزمة، لذلك فإن طلبك للمشورة الخارجية في حد ذاته هو أول علامات الحكمة، وأرجو أن تتصفح كتاب (أبناؤنا جواهر.. ولكننا حدادون) للدكتور مسلم تسابحي، سوف يغير لديك قناعة مفهوم العنف مع الأبناء.

أمَّا موقف التهديد بالسكين، فنريد هنا أن نكون صادقين معك تمامًا؛ فالتهديد بالسكين حد فاصل، وهذا لم يعد مجرد تمرد مراهق عادي، وإنما هو سلوك عدواني خطير، يستلزم التدخل المتخصص العاجل، فلا نقول لك بالضرورة اللجوء إلى الشرطة في الحال، لكن نقول لك بكل وضوح: وضعك يستوجب الآن زيارةً عاجلةً لأخصائي نفسي متخصص في سلوك المراهقين، وذلك ليس ضعفًا منك، بل هو أعلى درجات المسؤولية الأبوية.

ومن الأمور التي نقترحها عليك في هذه المرحلة:
أولًا: الفصل التام في هذه المرحلة بين دورك كأب ودورك كمستشار تربوي، فتوقف عن محاولة علاج ابنك بالأدوات المهنية، وعد إلى دور الأب البسيط الذي يحب ويخاف، ويصلي ويدعو من أجل ابنه، فكثير من الآباء المتعلمين يفقدون عفوية الأبوة حين يعقلون كل شيء.

ثانيًا: ابحث عن طرف خيط إيجابي ولو رفيعًا، فهل هناك شيء يحبه؟ رياضة، هواية، شخص يحترمه؟ هذا الطرف قد يكون مدخلك للتواصل، لا من باب النصيحة، بل من باب المشاركة الصادقة.

ثالثًا: لا للعنف الشديد، ولا للطرد من البيت، فكلاهما سيدفعانه إلى الهاوية، لا إلى الصلاح، وأنت تعلم هذا في قرارة نفسك، والابن في هذا السن إن فقد البيت فقد آخر حصن يحميه.

رابعًا: تكثيف الدعاء وصلاة الليل، فما عجزت عنه أنت قادر على فعله من هو أعظم منك، قال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (النمل: 62)، وقد روي أن لقمان الحكيم حين يئس من إصلاح ابنه لم ييئس من الله، فاستمر في الدعاء حتى فتح الله على قلب الابن.

خامسًا: إشراك الأم بطريقة جديدة، فقد ذكرت أنه خاصم أمه لسنوات، وهذا يكشف أن المشكلة ليست فقط في علاقته بك، بل في المنظومة الأسرية كلها، والاستشارة الأسرية المشتركة قد تفتح أبوابًا مغلقةً.

سادسًا: لا نريد أن نقع في فخ الإسقاطات التشخيصية، لكننا نقول لك: ما وصفته يتجاوز نطاق الإرشاد الاعتيادي، سواء أكانت المشكلة اضطرابًا في الشخصية، أم أثرًا لصدمة خفية، أم تعاطيًا بدأ بالتدخين ولم ينته عنده، فإن التقييم السريري من أخصائي نفسي أو معالج أسري متخصص في مرحلة المراهقة، بات ضرورةً لا خيارًا.

وأخيرًا، قرأنا في قصيدة نعمة الأب للشاعر السوري بدوي الجبل هذه الأبيات التي تصف ثقل مهمتك:
إنَّ الأبوَّةَ تكليفٌ وتربيةٌ ... وعبؤُها في الوَرى كأنَّهُ الجبلُ

نعم هو جبل، لكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وقد آتاك من العلم والصبر والمحبة ما يجعلك أهلًا لاجتياز هذا الابتلاء، وتذكر أن مفتاح التربية هو الحفاظ على العلاقة بينك وبين الابن، فإذا انقطعت العلاقة انقطع الاتصال والتوجيه.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يصلح لك ابنك ويجعله قرة عين لك، إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً