الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أختي ملتزمة ولكنها لا تتقبل نصحي أحيانًا، فكيف أتعامل معها؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أختي تلبس النقاب -والحمد لله-، وهي تدرس الطب، ولكني اليوم لاحظت عليها أنها تلبس خاتمًا وساعة بيدها، وغير ساترة الكفين، وأحيانًا تلبس جلبابًا فيه شيء من التخصير، وكنت قد نصحتها، وأحيانًا لا تقبل النصيحة، غير أني أجد فيها صلاحًا، ولا أزكيها على الله، فما رأيكم؟ وماذا أفعل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

بدايةً، نحيّي فيك هذا الحرص، وهذه الغيرة على دين أختك ومحارمك؛ فهذه من دلائل الإيمان، ومن الغيرة المحمودة، ومن كريم الأخلاق التي يُثاب عليها العبد، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يغار، والمؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله) رواه مسلم.

أخي الكريم: قبل أن نتحدث عن كيفية التعامل مع تصرف أختك، من المهم أن تنظر إلى الموقف بنظرة متوازنة ودقيقة؛ فأختك –كما ذكرت– ملتزمة أصلًا، وتلبس الحجاب والنقاب، وفيها صلاح ظاهر، وهذا يدل على أن ما تراه عليها ليس انحرافًا، ولا خروجًا عن أصل الالتزام، وإنما هو من قبيل بعض المخالفات الجزئية، أو التهاون في بعض التفاصيل، وهذه نقطة محورية في فهم الحالة؛ لأن طريقة التعامل مع من لديه أصل الالتزام تختلف تمامًا عن التعامل مع غيره.

كما أن ما تراه لا يعني –في الغالب– رفضًا للدين، ولا تعمدًا لسلوك منحرف، بل قد يكون نتيجة ضعفٍ عارض، أو صعوبةٍ في التطبيق العملي لبعض الأحكام، كالتعامل مع تغطية اليدين أثناء الدراسة لحاجة الكتابة وتصفح الكتب، أو قد يكون جهلًا بالحكم، أو غفلةً عن إدراك أهمية هذا الأمر، لذلك، من المهم أن تضع هذه الاحتمالات جميعها في اعتبارك عند تقديم النصيحة؛ حتى يكون حكمك منصفًا، وأسلوبك مناسبًا.

ومن هنا، ينبغي أن يكون تعاملك معها قائمًا على تثبيت أصل الخير فيها، وحسن الظن بها، وافتراض حرصها على حجابها والتزامها؛ لأن ما وصلت إليه من حجاب ونقاب هو مكسب عظيم ينبغي الحفاظ عليه، والبناء عليه، لا تعريضه للاهتزاز، أو التشكيك بسبب أسلوب غير مناسب في التوجيه.

لا شك أن وجود الفتاة المحجبة الملتزمة في بيئات مختلطة يشكّل تحديًا حقيقيًا، وعبئًا نفسيًا وسلوكيًا، ويجعل الالتزام الكامل أكثر صعوبة؛ ولذلك فإن من الحكمة الحرص على تقليل أسباب الفتنة ما أمكن، والالتزام بالضوابط الشرعية في التعامل، فإن تعذّر ترك بعض هذه البيئات المختلطة كالدراسة أو العمل، فليكن التعامل فيها بقدر الحاجة والضرورة، مع المحافظة على الحجاب الكامل، والابتعاد عن كل ما يفتح أبواب الفتنة؛ فالشريعة لا تكتفي بالتوجيه، بل تقيم سياجًا وقائيًا يحمي الإنسان من الوقوع في المحذور.

أخي العزيز: تذكّر أن النصيحة ليست مجرد قول الحق، بل إيصال الحق بطريقة مؤثرة تُقبل ولا تُنفّر، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه).

لذلك احرص على التلطف في الأسلوب، وتجنب التجريح أو اللوم المباشر، واختيار الوقت المناسب، بعيدًا عن الضغط أو التشنيع، وعدم الإكثار من الملاحظات العابرة غير المتكررة؛ حتى لا تتحول النصيحة إلى عبء ثقيل، واجتهد في مدح ما فيها من خير، وإشعارها بأنك ترى التزامها وتقدّره؛ فهذا أدعى لقبولها، وأقرب لتأثرها واستجابتها.

وأخيرًا، احرص على دوام الود، والاحترام، والتقدير لأختك؛ فهي من أخص محارمك، ولها عليك حق عظيم في الصلة والإحسان، وأبشر، فما دمت ترى فيها خيرًا، فالأصل أنها ستستجيب -بإذن الله - متى ما وجدت النصيحة الصادقة، والأسلوب اللين، والقلب المشفق، ولا تنسَ الدعاء لها، والإحسان إليها، وإظهار محبتك وحرصك عليها بالهدية، والثناء، والإكرام؛ فهذه من أعظم مفاتيح القبول والتأثير.

وفقك الله، ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً