الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحيي قيام الليل كل ليلة وأخشى أن أقطعه بعد الزواج!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في البداية نشكركم على هذا الموقع الرائع.

بعد ثلاثة أسابيع سأتزوج -إن شاء الله-، وأموري ممتازة، ومبشرة مع خطيبتي -والحمد لله-.

أنا مواظب على صلاة قيام الليل؛ حيث إنني أصلي بعد صلاة العشاء ما بين 8 إلى 12 ركعة لمدة نصف ساعة إلى 45 دقيقة، وأستيقظ في الثلث الليل الأخير (قبل أذان الفجر ب45 دقيقة)، وأصلي 4 ركعات، بالإضافة إلى ركعتي الشفع والوتر، وأدعو الله تعالى وأستغفر.

أخشى أن أقصّر بعد الزواج في هذه العبادة العظيمة، وفي نفس الوقت لا أريد أن أفرط بالحقوق والواجبات تجاه زوجتي، فكيف بإمكاني التوفيق بين قيام الليل، والواجبات تجاه زوجتي؟

ولكم جزيل الشكر.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ يوسف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يُيَسِّر لك إتمام الزواج، وأن يبارك لك فيه.

ونهنئك -أيها الحبيب- بالأمرين معًا؛ نهنئك بزواجك، ونسأل الله تعالى أن يُيَسِّر لك إتمامه، ونهنئك بفضل الله تعالى عليك، وما منَّ به عليك من نعمة الهداية لهذه العبادة العظيمة، وهي الصلاة بالليل؛ فإنها دأب الصالحين، وعادتهم، وهي مفتاح الخيرات، فنوصيك -أيها الحبيب- بالاستمرار عليها، وملازمتها؛ فإن الرسول ﷺ قال: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ -أي: عبد الله بن عمر- لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»، وفي هذا بيان لشرف هذه العبادة وعظيم منزلتها.

وإحساسك -أيها الحبيب- بضمان الاستمرار على هذه العبادة بعد الزواج، وكيفية ترتيب ذلك دليل على رجاحة في عقلك، وحسن إدارة لنفسك ووقتك، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لمزيد من الخيرات، ونحن نوصيك -أيها الحبيب- لتستمر على هذه العبادة بالأمور التالية:

أولًا: ينبغي أن تتذكَّر فضل هذه العبادة، وعظيم منزلتها، والآثار المترتبة عليها؛ فإن علمك بهذا سيكون هو الباعث والمحرك الذي يدعوك للاستمرار، ولن نُطيل عليك هنا بذكر الآيات القرآنية التي مدح الله تعالى فيها القائمين بالليل، والمستغفرين بالأسحار، فهي كثيرة معلومة، فاقرأ سورة الذاريات، وسورة السجدة، وبعض الآيات في آل عمران؛ تجد فيها مدح الله تعالى، وثناءه على المصلين بالليل، المستغفرين بالأسحار، وأمَّا الأحاديث فهي كثيرة جدًا، فتذكُّرك لهذا الثواب سيكون باعثًا لك، ومحركًا نحو الحفاظ على هذه العبادة العظيمة.

ثانيًا: لا بد من التوازن -أيها الحبيب- ومعرفة الحقوق المختلفة؛ فإن الرسول ﷺ قد أرسى لنا القواعد التي تضمن لنا الاستمرار بأن نتوازن في الحقوق المختلفة، فقد قال ﷺ: «إِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» وهذا التوازن إذا أحسنَّا إدارة الوقت وتقسيمه باعتدال واتزان؛ فإننا سنتمكن من تحقيقه على أفضل صورة، فحاول أن تنظم أوقاتك بعد الزواج، بأن تعطي زوجتك حقها من المؤانسة، والمحادثة، وإدخال السرور عليها، وقد بوَّب الإمام البخاري في صحيحه "باب السمر مع الضيف والأهل"، وأورد فيه حديثًا فيه أن رسول الله ﷺ كان يَسْمُر في الليل، ويتأخَّر في النوم، وهو يتحدث إمَّا مع أهله أو مع ضيفه؛ وهذا يدلنا على أن التوازن في هذه القضايا كفيل بأن يُرتِّب أداء الإنسان لهذه الحقوق بدون تقصير.

فحاول أن تجعل لزوجتك قِسطًا من وقتك، في المؤانسة والسمر وإدخال السرور، واقتطاع جزء آخر من الوقت لأداء حق نفسك في مناجاة ربك وعبادته، حاول أن تجعل أوقاتك كلها مشغولة بما فيه فائدة ومنفعة، وألَّا تضيع الوقت في غير نفع، فإذا أمكنك في أول الليل أن تتفرغ للصلاة إذا خشيت اشتغالك عنها بعد ذلك، فهذا شيء حسن، فصلِّ في أول الليل، وإذا رأيت أن يكون أول الليل لمؤانسة زوجتك والجلوس معها، على أن تؤخر الصلاة إلى آخر الليل؛ فافعل ذلك، وهذا سيكون سهلًا يسيرًا إذا حاولت استغلال الساعات؛ فإن ساعات الليل طويلة.

وبهذه الطريقة تضمن الاستمرار -أيها الحبيب-، كما أنك يمكن أن تنجح نجاحًا باهرًا في التأثير على زوجتك؛ فمع مرور الأيام وتعوّدك أنت على هذه العبادات العظيمة، يمكنك أن تُرغِّب زوجتك أيضًا في أن تأخذ حظها من هذه الصلاة، ومن هذه العبادة، فتكون عونًا لها على تطوير ذاتها، وتحسين عباداتها، وقد وردت الأحاديث الكثيرة في فضل الرجل الذي يُعين زوجته على الخير، ومن ذلك أنه إذا استيقظ من الليل، وأيقظ أهله، فصلَّيَا جميعًا كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.

فنحن لا نرى -أيها الحبيب- أن في الزواج ما يمنعك عن هذه العبادة، ويقطعك عنها، وإنما أنت بحاجة فقط إلى ترتيب الأوقات واستغلالها، بحيث لا يضيع منك الوقت بدون فائدة، فاحرص على هذا الترتيب، وستوفق -بإذن الله تعالى- إلى الاستمرار والدوام.

نسأل الله أن يوفقك لكل خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات