الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رفضت الخاطب لأنه لم يتقبل عملي المستقبلي، فهل أخطأت بذلك؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا فتاة في كلية الطب، وقد أوشكت على إنهاء آخر سنة دراسية، تقدم لخطبتي مهندس يبلغ من العمر 29 عامًا، وأحسبه على خلق ودين، ويتحلى بالمسؤولية، وقد وجدنا اتفاقًا في كثير من الأمور.

ولكن أثناء الرؤية الشرعية، لاحظت أنه يتحدث بشيء من السلبية تجاه دراستي ومهنتي المستقبلية؛ ولأنني لم أتخرج بعد، فأنا لا أعلم على وجه التحديد كيف سيكون وضع عملي؛ إذ إن لكل تخصص في الطب ظروفه الخاصة، وبعض التخصصات تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين.

ما زلت في مرحلة الدراسة، لذلك لا أعرف بعد طبيعة عملي، أو التخصص الذي سأدخله، خاصة أن ذلك يعتمد على عوامل كثيرة لا أملك التحكم بها، ومع ذلك، فأنا على يقين بأنني سأحاول -بإذن الله- اختيار مجال مناسب ومريح قدر الإمكان؛ لأنني لا أريد أن أقصر في حق بيتي وأسرتي، مع العلم أن طريق دراسة الطب والعمل فيه صعوبة بطبيعته، وهذا أمر معروف، وقد أوضحت له ذلك.

شعرت خلال الرؤية الشرعية أنه يحاول أن يجعلني أكره هذا المجال، أو يوحي لي بأن دخولي كلية الطب كان خطأ من البداية، كما أخبرني أن جميع أصدقائه الأطباء يشتكون من ظروف العمل، وأن هناك طبيبات كثيرات تركن العمل من أجل التفرغ للبيت، وأخريات تركن المجال الطبي بالكامل واتجهن إلى مجالات أخرى، وكلما تحدثت عن دراستي أو شرحت له شيئًا يتعلق بها، شعرت أنه يستثقل الأمر، ولم ألمس منه دعمًا أو تفاؤلًا، بل شعرت بضغط منه ليعرف طبيعة عملي المستقبلي على وجه الدقة، في حين أنني نفسي لم أكن أعرف ذلك بعد.

استخرت الله تعالى، ورغم اتفاقنا في معظم الأمور، رفضت هذا الخاطب بسبب هذه المسألة، وبعد ذلك، ذكرت والدته أن هناك سوء فهم، وأنه لا يمانع في عملي، لكنني شعرت أن هذا الموضوع قد يسبب مشكلات مستقبلية، إذا كان من البداية غير مقتنع بالفكرة أو مستثقلًا لها، فهل آثم على رفضه؟ وهل قصّرت في حقه بعدم إعطائه فرصة أخرى لتوضيح ما حدث؟ أشعر بشيء من الندم، وأخشى أن أكون قد رفضته دون سبب حقيقي، أو بناءً على استنتاج قد لا يكون له أساس كافٍ.

جزاكم الله خيرًا، وبارك فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يُقدِّر لكِ الخير، وأن يصلح الأحوال.

وبدايةً، نحب ألَّا تنزعجي من هذا الذي حدث، فهذه طبيعة الحياة، وحق الفتاة أن ترفض، وحق الشاب أن يرفض، وحق الأمور أن تأخذ هذا المنحى أو ذاك، ولا إشكال في هذا، والإنسان إمَّا أن يستمر أو يحسن الاعتذار، فطالما كان الرفض ليس فيه ما يجرح، وليس فيه ما يُحرج، فالأمر لا حرج فيه من الناحية الشرعية، كما أن مثل هذه الأمور قد تعاد فيها الكرَّة.

وعليه: نحن نميل إذا كان عنده محاولات، أو عودة لتصحيح الكلام من قِبله ومن قِبل أهله، كما اتضح من خلال كلام والدته، فأرجو أن تكون الخيارات أمامكِ مفتوحةً، ولعلنا نتفق أيضًا على أن هذه المهنة -فعلًا في عالمنا العربي والإسلامي- يُوجد لدى البعض مثل هذا الانزعاج، ولعلَّ هذا الشاب لا يعرف طبائع الناس، وطبائع التعامل، فإن الإنسان في مثل هذه المراحل لا بد أن يراعي مشاعر الآخرين، خاصةً في أمور قد دخلوها واستمروا فيها، والطب مهنة نحن بحاجة فيها لطبيبات؛ ليقمن بتطبيب بناتنا، وأخواتنا، وأمهاتنا، ففي ذلك صيانة للأعراض.

ولعلَّ الجميع يتفق أن هناك صعوبةً في هذه المهنة مع المحور الأسري، لكن عندما يوجد تفاهم، وعندما يوجد حسن ترتيب، الأمور ستأخذ وضعها الطبيعي، فهذا النفور من هذا المجال لعلَّه ليس عند هذا الشاب الذي تقدم وحده، ولكن عند كثير من الناس، وهي مفاهيم تحتاج إلى تصحيح، فلا تُعطي الموضوع أكبر من حجمه.

على كل حال: إذا عاد وطرق الباب فنحن نميل إلى القبول، وتناسي ما حصل، وإن كانت الأخرى فسيضع الله في طريقكِ مَن يسعدكِ، وسيضع الله في طريقه من تُسعده، ونسأل الله أن يعينكِ على الخير.

فنحن لا نريد أن تُؤنِّبي نفسكِ على أمر قدّره الله تبارك وتعالى، وتبقى الخيارات مفتوحةً في مثل هذه الأحوال، فمن الناس من يعود ويطلب مرةً أخرى، ويطلب فرصةً، ويحاول أن يصحح الخلل الذي حدث، وبوادر هذا حاصلة من خلال كلام والدته، وطبعًا كما يقال: الكرة في ملعبهم، وهو الذي إذا أراد أن يبادر فعليه أن يبادر.

وثقي بأن هذا الكون ملك لله، وأنه لن يحدث في كون الله إلَّا ما أراده الله، ونسأل الله إن كان في الأمر منفعة لكِ وله، أن يعود إليكِ، وإن كان غير ذلك فنسأل الله أن يُقدِّر له الخير، ثم يرضيه به، ويُقدِّر لكِ الخير ثم يرضيكِ به، وأن يلهمكِ السداد والرشاد، هو ولي ذلك والقادر عليه.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً