الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدتي تتواصل مع رجل آخر، فما الحل لإيقافها عند حدها؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عرفنا منذ شهرين أن أمي تتواصل مع شخص آخر غير أبي، وكانت في تلك الفترة تتشاجر كثيرًا مع والدي؛ رغبةً في الطلاق، ثم تواصل معي شخص، وأخبرني بأنهما متفقان على أن تطلب الطلاق، ثم يتزوجا بعد ذلك.

وحين علم إخوتي بالأمر، تحدثنا معها بهدوء شديد، وأعطيناها حرية الاختيار؛ فإن كانت تريد الطلاق، فهذا أمر يمكنها اختياره، لكن ما تفعله الآن لا يصح.

جلست حينها تبكي، وقالت: إنها ستختارنا من أجلنا، فأكدنا لها أننا سنظل أبناءها كما نحن، أيًّا كان اختيارها، لكن المهم أن يكون الأمر واضحًا وصحيحًا.

ثم انتهى الموضوع، ووعدتنا بألَّا تتواصل معه مرة أخرى، وحتى عندما كانت تتحدث معي عن الأمر، كانت تُظهر أنها لم تكن في وعيها، وأن هذا الرجل سيئ فعلًا، وأنها تتعجب كيف فكرت بهذه الطريقة.

ومنذ أسبوعين أو ثلاثة، بدأنا نشك مرة أخرى بسبب تصرفاتها، ولاحظنا أنها وضعت كلمة مرور لهاتفها، فتحدث معها أخي بهدوء، وأخذ يوضح لها أنه من الطبيعي أن نشك في هذه الفترة، فأكدت لنا أنها لم تعد تتواصل معه، وأنها حظرته، وأعطتنا كلمة المرور.

لكن حسابًا آخر تواصل مع إخوتي بالأمس، وأخبرهم بأنهما ما زالا يتواصلان، لكنها تحذف المحادثة أولًا بأول، وتتواصل معه من خلال حساب مختلف.

وبالفعل، فتح أخي الهاتف ليتأكد، فوجد أنها تتواصل معه، وأن رقمه مسجل باسم إحدى زميلاتها، كما وجد أن المحادثة تُحذف أولًا بأول، وللأسف كان يقول لها: «أحبكِ»، وكانت تقول له: «حبيبي».

نحن الآن في حيرة، ولا نعرف: هل من حق أبي علينا أن نخبره، أم نتحدث معها مرة أخرى فقط؟ لكننا -من الناحية النفسية، ولا سيما إخوتي الذكور- لم نعد قادرين على النظر في وجهها أو الحديث معها.

ونشعر أن ثقتنا بها قد ضاعت؛ لأنها تعدنا وتوهمنا بأن الأمر قد انتهى، ثم تستمر في التواصل معه، فكيف نتصرف في هذا الموقف؟ وهل نخبر والدنا بما يحدث، أم نمنح والدتنا فرصة أخرى؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، ونشكر لكِ أيضًا الحرص على ستر والدتكم وتجنيبها الحرام، وهذا من البر بها والإحسان إليها.

ونحن نتفهم -أيتها البنت الكريمة- مدى الألم الذي تعيشينه أنتِ وإخوانكِ وأخواتكِ بسبب تصرفات أُمّكِ، فما تفعله حرام بلا شك، والواجب عليكم النصح، وتغيير هذا المنكر بقدر الاستطاعة، وبحيث لا يؤدي إلى منكر أكبر منه، والعلماء ينصُّون على أنه يجب على الولد أن ينصح والده إذا رآه يفعل منكرًا، ولكن بحيث لا يصل إلى إغضابه؛ لأن إغضاب الوالد منكر.

ولهذا، نضع بين يديكِ النصائح التالية:
• أول هذه النصائح: ألَّا تستمروا بالبحث والتفتيش والتجسس على والدتكم، ويكفي ما عرفتموه في المرحلة السابقة، وأنها لا تزال تفعل هذا الشيء المحرم، وتحاول ستره عنكم.

• الخطوة الثانية: أن تتحولوا مباشرة إلى النصح الجاد، والنصح الجاد يعني أن تصارحوها بما حصل، وأن ثقتكم فيها لا يمكن أن تستمر ما دامت تفعل ذلك، ثم تَعِدكم بأنه قد انتهى، وتعود إليه خُفية.

• ومن الأساليب النافعة في هذا النصح الجاد: أن تحاولوا الاستعانة بالأقارب غير والدكم، فإن كان لكم أخوال أو خالات، وترون أنه من النافع والمفيد أن تخبروا أحدهم؛ لكونه سيُؤثِّر في الأمر، وسيكون لكلامه مع أمكم نتيجة وثمرة، فاستعينوا بهذا؛ لأن في هذا إيقافًا لهذا المحرَّم، ومحافظة على الأسرة، وعلى والدكم وسمعتكم جميعًا.

• وفي المقابل، ينبغي أن يُنصح أبوكم بطريقة غير مباشرة بالاهتمام بأُمِّكم، والاعتناء بحاجاتها النفسية، فربما إذا تعدل الوضع وجدت في ذلك غنى عن أن تلتفت إلى هذا المحرَّم.

• الوصية الثالثة: ألَّا تتصرفوا تحت تأثير الغضب؛ فإن التصرف بدافع الغضب قد يؤدي إلى قرارات غير صائبة، وقد يؤدي إلى مفاسد أكبر من هذه المفسدة، فليتولَّ واحد منكم معالجة هذا الموضوع بهدوء، وحاولوا أن تصارحوا أُمَّكم بأنكم لن تستطيعوا السكوت إلى نهاية الطريق، وأنه لا بد من إيقاف هذا الأمر.

• الوصية الرابعة: هي أن تُكثروا من الدعاء لأُمِّكم؛ فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها الله تعالى كيف يشاء.

• الوصية الخامسة: أن تواصلوا بركم بأمكم؛ فإن بر الأم فريضة من فرائض الله تعالى، وإساءتها هي، وارتكابها للمنكر، لا يسقط حقها في البر والإحسان إليها، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}، وإن كانت ثقتكم فيها قد اهتزت وضعفت، لكن هذا لا يبرر لكم الإساءة إليها، أو التقصير في حقها، ونظن أن مواصلتكم لبرها والإحسان إليها سيكون سببًا لاستمالتها إلى ما تقولونه، وإرجاعها إلى الحق.

وقد أحسنتم حين أشرتم عليها بأن تفارق زوجها إذا كانت لا ترضى بالبقاء معه، وتخشى من البقاء معه أن تقع في معصية الله تعالى، فهذا رأي صحيح، وهو موافق للشرع، فيجوز لها أن تطلب الطلاق في مثل هذه الحالة، وإذا كانت ترى نفسها أنها لن تستطيع التوقف عن هذا، فلو دخلتم في هذا المسار، فإن هذا أيضًا من إصلاح دينها، وإن كان فيه ضرر عليكم وعلى والدكم، لكن آخر العلاج الكي، كما يقال في المثل.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقكم لما فيه الخير، وأن يهدي أمكم، ويردها إلى الحق ردًا جميلًا.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات