الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل يمكن أن ينجح الزواج إذا تغيرت القيم المشتركة بين الزوجين؟

السؤال

أنا من عائلة متفاوتة في الالتزام الديني؛ فغالبية النساء غير محجبات، والالتزام بالصلاة يختلف بين أفرادها، وقد أثر ذلك فيّ منذ صغري، فمنذ سن 14 عاماً اتجهت للالتزام، وكنت أتمنى أن أنشأ في عائلة أكثر محافظة، ولذلك كان اختياري للزواج واضحاً: زوجة ملتزمة فعلاً ومن عائلة ملتزمة، وكانت زوجتي كذلك، بل اختارت بعد الزواج ارتداء النقاب بإرادتها.

بعد الزواج أصبحت قريباً من عائلتها أكثر من عائلتي، ومع مرور السنوات اكتشفت أن الالتزام داخل العائلة ليس دائماً كما كنت أتصور، وأن بعض القواعد، خصوصاً في موضوع الاختلاط، تطبق بصورة مختلفة داخل العائلة.

كما رأيت مواقف أخرى لم تكن منسجمة مع الصورة التي كنت أحملها عن الأسرة، ومع ذلك لم أحمّل زوجتي مسؤولية تصرفات أهلها، وتمسكت بها وحرصت على أن نحافظ داخل بيتنا على قيمنا.

أما عائلة والدتها، فكانت أقرب إلى طبيعة عائلتي من حيث الالتزام، وواجهت أيضاً صعوبات في العلاقة مع والدتها، كان لها أحياناً أثر على علاقتي بأولادي، لكنني حرصت دائماً على عدم قطع صلة الرحم.

بعد 26 عاماً من الزواج، بدأت أشعر بتغير في زوجتي نفسها، بدأت تخلع النقاب باختيارها في بعض المناسبات، وتجلس في مجالس مختلطة، رغم أنني كنت قد أوضحت لها في الصيف الماضي مدى تأثير ذلك عليّ، وذكرتها بالأمر قبل إجازتنا الأخيرة، ومع وصولنا إلى بيت أختها، تكرر الأمر، مع العلم أن الإقامة كانت ستكون هناك مع بناتي، لذلك قررت العودة بعد يومين بدلاً من إكمال الإجازة.

حدث صدام كبير، لكنها عادت معي في النهاية، بعد العودة طلبت منها الاعتذار بهدف الإصلاح، لكنها رفضت وأكدت أنها لم تفعل شيئاً خاطئاً، وقالت إنها كان بإمكانها البقاء هناك، لكنها عادت تكرماً منها.

هنا أدركت أن المشكلة بالنسبة لي ليست النقاب، أو موقفاً واحداً، بل شعوري بأن القيم التي بنيت عليها قراري بالزواج قبل 26 عاماً، لم تعد بالضرورة هي نفسها التي تجمعنا اليوم.

أنا ما زلت متمسكاً بزوجتي، ولا أريد اتخاذ قرار متسرع، لكنني أجد صعوبة في الاستمرار إذا أصبحنا نختلف في القيم الأساسية ونمط الحياة الذي نريده لبيتنا.

السؤال الذي أحتاج أن أعرف إجابته هو: هل ما زلنا نريد نفس الحياة والقيم التي جمعتنا طوال هذه السنوات، أم أن هناك تغيراً جوهرياً يجعل الاستمرار في الزواج أمراً صعباً؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أستاذنا الكريم- ونشكر لك هذا الحرص على الخير، ونسأل الله أن يُعيننا جميعًا على تجاوز العقبات العائلية والأسرية من حيث ضعف الالتزام، ومن حيث تأثير الأسر الممتدة والأرحام والأهل على أبنائنا والبنات، بل على استقرارنا وعلى قيمنا.

والأمر يحتاج إلى مجاهدة، ويحتاج إلى استمرار واستقرار على القيم التي أسستم عليها هذه الأسرة، وكنا نتمنى أن تُذكِّر زوجتك بأن هذه القيم تلتزم لأن الله أمر بها، وليس لمجرد اتفاق بينك وبينها، فالبُعد عن المجالس المختلطة مبدأ شرعي، ولذلك ليس لها أن تُغيِّره، وليس لك أيضًا أن تقبل بالتجاوزات في هذا الجانب، وقد أحسنت بهذا الحرص.

ولكن ونحن نعالج مثل هذه الأمور، لا بد أن نصطحب قوة المؤثرات الخارجية، يعني الآن أرجو أن تُذكِّر زوجتك بالله -تبارك وتعالى- وبأن هذا الذي يحصل من اختلاط، ولَمَّا نقول: اختلاط، معناه أن أزواج الأخوات، وأن الجميع يجلسون في مجلس واحد، والوجوه مكشوفة، ويتبادلون الضحكات، هذا يحدث في بعض العوائل، قلَّ هذا أو كثر، فالشريعة لا تقبل بهذا، الشريعة تأمر بأن يكون الرجال في مكان، والنساء في مكان.

وإذا وجدت المرأة نفسها مع الرجال، فهنا كما قالت أمنا عائشة: "كانت إحدانا تسدل على وجهها"، يعني هذا وهنَّ مُحرمات بالعمرة أو بالحج، "إذا حاذانا الركبان تسدل إحدانا على وجهها".

هذه القيم أولًا نريد أن تناقشها مع الزوجة على أنها مبادئ شرعية، ليس على أنها رأي لك، أو مجرد أشياء اتفقتم عليها، لا، هذه مبادئ شرعية أمر بها رب البرية سبحانه وتعالى.

أيضًا لا بد أن يكون الحوار بعيدًا عن المؤثرات الخارجية، فيبدو أن والدتها ومن حولها يؤثرون عليها، فشجعها بأن تلتزم بالشرع، وأن تكون هي المؤثرة عليهم؛ لأنها تحمل الخير، وهي رمز للهداية، وبهذه الطريقة أنت تجعلها تتحمل مسؤوليتها كداعية، وكمؤثر إيجابي.

ومع هذا، فنحن لا نُؤيّد قطيعة الرحم، ولكن نؤيد أن تكون العلاقات مشروطة، فالمكان الذي ليس فيه التزام تجعل الزيارة فيه سطحية وسريعة، ومجرد سلام ومباركة للعيد أو مناسبة، ثم تنصرفون، وتتفقون على هذا، فإذا كانت الأسرة فيها التزام وسط أو ضعيف، فهذا لا يُبرّر لنا أن نقطع الرحم، وقد شعرنا بحرصك أيضًا على صلة الرحم.

وبالنسبة للبنات والأولاد أيضًا، ينبغي أن تتفقوا على المكان الذي يمكثون فيه، والطريقة التي يكونون فيها، هذه الأمور لا بد أن توضع في وقت الهدوء.

وأرجو أن يكون المعيار ألَّا تتكلَّم عن قيمكم، بل تكلَّم عن القيم التي أنزلها الله، واقصد بعملك هذا وجه الله تبارك وتعالى، فقبل أن تغضب لنفسك، اجعل غضبك لأن محارم الله تنتهك، ولأن في هذا مخالفة.

وشجع التزامها، وربِّ أبناءك على الالتزام، وأنت مشكور، ونحن نحتاج إلى مجاهدة، ونحتاج إلى صبر في هذا العالم، في هذا الزمان الذي يكون القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وإلَّا فالإنسان يجد ما يؤذيه في الشارع، وفي الطريق، وفي كل مكان، نسأل الله أن يعينكم على الثبات على القيم التي أسستم عليها هذا البيت، وأن يُعين زوجتك على تفهم هذه الأمور.

ونتمنى أن تشجعها على التواصل حتى تعرض ما عندها، فتتواصل مع الموقع، وتعرض المشكلة والخلاف الذي حصل من وجهة نظرها، وعندها ستجد التوجيه الشرعي المحايد الذي سيصدر من أهل اختصاص، الذين سيتكلمون بما يرضي الله؛ لأننا نراقب الله في هذه الأمانة.

وأحيانًا الزوجة والأزواج بعد أن يبلغوا عمرًا يكون للعناد مدخلاً، وهو من مداخل الشيطان، فنسأل الله أن يعينكم على الخير، ونشكر لك ولهذه الزوجة أيضًا التي التزمت هذه السنوات الطويلة، ندعوها لأن تكمل هذا المشوار من الخير، وأن تحرص على أن تؤثر في الناس، لا أن تتأثر بهم.

ولا نريد أيضًا أن تستعجل في اتخاذ خطوات سالبة، وحتى عندما تناقش السلبيات، اذكر لها ما عندها من الحشمة، وما عندها من الخير، وما عُرفت به، ثم بعد ذلك قل لها: حبذا لو ثبتنا على هذا الخير، ثباتًا حتى الممات، حتى نلقى الله -تبارك وتعالى- ونحن عليه، ونسأل الله أن يجمع بينكم في الخير.

نكرر الترحيب بكم، ونتمنى أيضًا أن تكون هناك استشارة منها أو استشارة مشتركة؛ حتى نفهم وجهة نظرها، ونفهم سبب رفضها، وهي أيضًا تُشكر على أنها تابعت الأسرة وجاءت معك.

ولا تنتبه للكلام الذي تقوله من أنها فعلت ذلك، وكان يمكن ألَّا تفعل؛ فمثل هذا الكلام الذي يقوله الإنسان في لحظات الغضب والجدال لا ينبغي أن نقف عنده طويلًا، رغم أنه غير صحيح، ولم تكن الكلمات موفقة، لكن الإنسان عندما يغضب، وعندما يُحرج، قد يقول كلامًا لا يرضاه عندما يكون في هدوئه، وعندما يكون مراقبًا لربه -تبارك وتعالى-، وعندما يكون بعيدًا عن الشيطان الذي يحضر عند كل خصام وفي مجالس المعاصي.

نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينكم على الثبات حتى الممات، وأن يصلح لنا ولكم النية والذرية.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة