الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أمي وأخواتي يستهلكنني مادياً، فكيف أضع حداً لهذا السلوك؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طوال عشر سنوات، كنتُ أتحمل مسؤوليات مادية كبيرة تجاه أمي وأخواتي، وكنتُ أساعدهن وأُنفق عليهن قدر استطاعتي، من دون أن أشعر بالتقدير أو الامتنان، وعندما قررتُ أخيرًا أن أقول: «كفى»، وأن أضع حدودًا لأخواتي؛ لأنني لم أعد قادرة على الاستمرار بالطريقة نفسها، تغيرت معاملتهنَّ لي، وأصبحن يعادينني.

والأصعب بالنسبة لي هو موقف أمي؛ فهي تقف إلى جانبهنَّ، وتنظر إليَّ وكأنني عدوة أو ابنة سيئة، فقط لأنني توقفتُ عن تلبية جميع طلباتهنَّ، وأشعر أن علاقتها بي مرتبطة بما أقدمه من مال، وأنها لا تهتم بمشاعري أو بالضغوط التي تحملتُها طوال هذه السنوات، وعندما أرفض إعطاء المال، أشعر منها بالجفاء والغضب، وكأنني لم أفعل شيئًا من قبل.

أصبحتُ أشعر بالتعب النفسي والظلم والذنب في الوقت نفسه، ولا أريد أن أقطع علاقتي بأمي، لكنني أيضًا لا أريد أن أستمر في علاقة تستنزفني ماديًا ونفسيًا.

فكيف أستطيع وضع حدود صحية معها ومع أخواتي، من دون أن يقتلني الشعور بالذنب؟ وكيف أتعامل مع حقيقة أن أمي قد لا تراني أو تحبني بالطريقة التي أحتاج إليها، وأن قيمتي عندها تبدو مرتبطة بما أدفعه؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الفاضلة- في موقعكِ، ونشكر لك تواصلك معنا وثقتك بنا، ونسأل الله العلي القدير أن يفرج همكِ، ويشرح صدركِ، وأن يجزيكِ خيرًا على ما قدمتِ، ويجعل صبركِ في ميزان حسناتكِ، ويرزقكِ السكينة والطمأنينة وراحة البال.

فهمنا من رسالتكِ -أختي الكريمة- أنكِ حملتِ على كاهلكِ عبئًا مادِيًّا ثقيلًا تجاه أمكِ وأخواتكِ عشر سنواتٍ كاملةً، تعطين وتصرفين وتسندين، دون أن يقابل ذلكَ تقديرٌ أو اعترافٌ بما تبذلينه، وأنكِ حين وصلتِ إلى حد طاقتكِ، وقررتِ أن تضعي حدًّا لهذا الاستنزاف، تغيرت النظرة إليكِ من ابنةٍ وأختٍ باذلةٍ إلى طرفٍ معادٍ، وأمكِ نفسها وقفت في صف أخواتكِ ونظرت إليكِ بجفاءٍ، فصرتِ تحملين في قلبكِ التعب والظلم والذنب معًا، وهذا مزيجٌ مرهقٌ حقًّا يستحق التوقف عنده بتأنٍّ.

هذه المسألة يمكن أن ننظر إليها من زاويتين: الأولى تتعلق بحدود البر والعطاء من منظور الشرع، والثانية تتعلق بعلاقتكِ بذاتكِ وبمشاعر الذنب التي تحاصركِ.

أمَّا الزاوية الأولى؛ فإن الإسلام أوجب بر الوالدين وصلة الأرحام، لكنه لم يجعل ذلكَ بلا سقفٍ ولا حدودٍ، فقد قال النبي ﷺ لمن سأله عن الصدقة: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ» فالترتيب الشرعي نفسه يبدأ بكِ أنتِ، ثم بمن تعولين، ثم بالأقارب، وهذا يعني أن حرصكِ على طاقتكِ وحدودكِ ليس أنانيةً ولا قطيعةً، بل هو تطبيقٌ لمنطقٍ شرعيٍّ واضحٍ، وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

فحين تقولين: لا أستطيع الاستمرار بالطريقة نفسها، فأنتِ لا تخالفين أمر الله بل توافقينه، وأما بر الأم فهو باقٍ واجبٌ في معروفه ولطفه وحسن معاملتها، لكنه لا يعني تلبية كل طلبٍ مالِيٍّ مهما تجاوز طاقتكِ، وقد قال الله عز وجل في شأن الوالدين حتى حين يجاهدان الولد على أمرٍ لا يرضاه الله: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} فإذا كان هذا في أعظم الحقوق وهو حق الله، ففي أمرٍ مالِيٍّ دون هذه المنزلة يبقى لكِ أن تحفظي حدودكِ وتستمري في المعروف واللطف بلا تفريطٍ في طاقتكِ.

وأما الزاوية الثانية وهي الأثقل عليكِ؛ فهي شعوركِ بأن قيمتكِ عند أمكِ مرتبطةٌ بما تدفعينه، وهذا شعورٌ مؤلمٌ جدًّا، ولكن تأملي أن غضب أمكِ وأخواتكِ الآن قد لا يكون حكمًا نهائيًّا على محبتهن لكِ، بقدر ما هو رد فعلٍ على تغيرٍ في نمطٍ اعتدن عليه؛ فكثيرٌ من الناس حين يفقدون عادةً استمرت سنواتٍ، يظنون أن الجفاء تجاههم هو انتقامٌ، بينما هو في حقيقته اضطرابٌ مؤقتٌ ناتجٌ عن كسر التوقع.

وهذا لا يبرر ما تشعرين به من جفاءٍ، ولكنه قد يخفف من وطأة تفسيركِ له على أنه رفضٌ تامٌّ لكِ كإنسانةٍ، ومن المهم أيضًا أن تفرقي بين الذنب الحقيقي الذي ينشأ من مخالفة أمر الله، وبين الذنب المصطنع الذي يزرعه فينا رضا الناس أو غضبهم، فأنتِ لم تظلمي أحدًا حين حفظتِ حق نفسكِ، والذنب الذي تشعرين به هنا هو صدىً لتوقعات الآخرين لا حكم الشرع.

ومن الأمور التي ستعينكِ -بإذن الله- أن تعيدي النية في العطاء الذي قدمته طوال هذه السنوات إلى الله وحده؛ فما قدمته من مالٍ ورعايةٍ لأمكِ وأخواتكِ، محسوبٌ عند الله ولو لم يشعر به أحدٌ، وقد قال الله تعالى في وصف المخلصين: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}؛ فحين يكون قصدكِ وجه الله، لا استحسان الناس، يخف كثيرًا ألم عدم التقدير؛ لأن الأجر محفوظٌ عند من لا تضيع عنده الودائع.

ومن الأمور العملية أيضًا أن تضعي لنفسكِ حدًّا واضحًا ومحددًا، لما يمكنكِ تقديمه مادِيًّا بعد اليوم، وتفصحي عنه لأمكِ وأخواتكِ بهدوءٍ ووضوحٍ، دون تبريرٍ مطولٍ ودون دفاعٍ، فالحدود حين تعلن بثقةٍ وبلا شعورٍ بالذنب، تكون أكثر قبولًا من حدودٍ تعلن بترددٍ، يشعر الطرف الآخر بأن الضغط سينجح لو تكرر، ومن المهم أن تفصلي بين البر بالمال والبر بالوجدان، فاستمري في زيارة أمكِ والاطمئنان عليها ودعائها، وحسن الحديث معها؛ لتظهري لها عملِيًّا أن محبتكِ لها لم تتغير، وإنما الذي تغير هو قدرتكِ المادية، لا قلبكِ، وهذا الفصل بين الأمرين هو أدق ردٍّ على شعورها بأن قيمتكِ مرتبطةٌ بالمال.

تذكري أخيرًا أن وضع الحدود ليس عقوقًا ولا قطيعةً، بل هو أحياناً أرقى صور حفظ النفس التي أمر الشرع بحفظها، وأن استمراركِ في الاستنزاف حتى الانهيار لن ينفع أمكِ ولا أخواتكِ في شيءٍ، بل سيصل بكِ يومًا إلى العجز الكامل عن العطاء.

والأخذ بالحدود اليوم هو استثمارٌ في قدرتكِ على الاستمرار في البر بطريقةٍ صحيةٍ غدًا، وإذا استمر معكِ هذا الشعور بالذنب والحزن العميق لفترةٍ طويلةٍ، وأثر على نومكِ أو راحتكِ النفسية بشكلٍ ملحوظٍ، فمن الحكمة أن تستشيري مختصًّا نفسِيًّا، يساعدكِ على ترتيب هذه المشاعر المتراكمة.

نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يهديكِ سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً