الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وساوس قهرية في الطهارة والصلاة لم تجد معها الأدوية نفعاً!!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني من الوسواس القهري منذ ما يقارب 12 سنة، في الوضوء والصلاة والطهارة، وكل ما يتعلق بالدين، وقد ذهبتُ إلى عدة أطباء، وتناولتُ أدوية كثيرة، ولكنني لم أجد تحسنًا.

والآن أتناول دواء «بروزاك - فلوكسيتين» (60 ملغ)، أي ثلاث حبات كل يوم، وقد وصلتُ إلى هذه الجرعة منذ ما يقارب شهرًا، ولكنني لا أجد تحسنًا كبيرًا، وإنما تحسنتُ بنسبة تقارب 10% فقط.

فماذا يجب عليّ أن أفعل؟ لقد تعبتُ كثيرًا، ورغم محاولاتي للحاق بالصلاة، فإن البدء في الوضوء دائمًا ما يعوقني، وأشعر باستمرار بخروج ريح مني طوال الوقت، ولا أستطيع تجاهل ذلك.

وفي الصلاة أكرر سورة الفاتحة كثيرًا، وأشعر أنني قلتُها بشكل خاطئ، مع أنني أسمع نفسي أنطق الكلمات بشكل صحيح، لكن الوسواس يوهمني بأنني أقولها بصورة خاطئة.

فماذا يمكنني أن أفعل، وأنا أجد التجاهل صعبًا بالنسبة لي؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ولاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فمرحبًا بكِ في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لكِ العافية والشفاء والتوفيق والسداد.

الأخت الكريمة، الوساوس القهرية يجب أن تُقهر وتُعالج، ويجب أن يصل الإنسان إلى قناعة جوهرية، وهي أنه يجب ألا يتعايش مع الوسواس، فهذه هي النقطة الأساسية التي يجب أن ينطلق منها العلاج، كثير من الناس يساومون أنفسهم فيما يتعلق بالتعايش مع الوسواس دون أن يشعروا، لا، يجب أن تقرري أن الوسواس يجب ألا يكون جزءًا من حياتكِ.

والوسواس أمر مكتسب ومتعلم، وليس أمرًا فطريًّا أو غريزيًّا، أو أنكِ قد وُلدتِ به، بل هو مكتسب، والشيء المكتسب يُفقد عن طريق التعليم المضاد.

يجب أن تحقري هذه الأفكار وهذه الأفعال، وأن يكون لديكِ العزم لتصرفي انتباهكِ عنها، فبدلًا من أن توسوسي مثلًا حول الوضوء، انقلي فكركِ إلى شيء آخر، إلى حياتكِ الأسرية والمستقبل، وأشياء كثيرة جدًّا يمكن أن تفكري فيها، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى: العلاج الدوائي: الـ «فلوكسيتين Fluoxetine» دواء ممتاز جدًّا، ولكنه يحتاج إلى تدعيم في بعض الحالات، وأنا أقترح عليكِ تناول عقار «أريبيبرازول Aripiprazole» (5 ملغ) يوميًّا بجانب الفلوكسيتين، وهذه سوف تكون علاجات ممتازة جدًّا من حيث العلاج الدوائي.

وبقي بعد ذلك الانضباطات العلاجية الأخرى، فمثلًا: وجدنا أن تحديد كمية الماء وتجنب الوضوء من ماء الصنبور مفيد جدًّا، والقاعدة السليمة هي أن نتذكر أن الإسراف مذموم، وأن الرسول ﷺ كان يتوضأ بمُدٍّ من الماء، والمُد تقريبًا لتر إلَّا ربع.

فيا أيتها الفاضلة الكريمة: إذا وضعتِ لترًا من الماء مثلًا في إبريق -أو في قنينة أو أي إناء- لتتوضئي به، هذا أفضل، وأضيف لكِ أنكِ: حين تتوضئين عليكِ أن تقومي بفتح كاميرا الهاتف وصوري نفسكِ، وصوري فيديو فيما يتعلق بكل تفاصيل الوضوء، ثم بعد ذلك تشاهدين هذا الفيديو، وسوف تجدين أن وضوءكِ صحيح، وهذا محفز علاجي كبير.

وحتى بالنسبة للصلاة أيضًا، صوري نفسكِ وأنتِ تصلين عن طريق كاميرا الهاتف، وراجعي هذا الفيديو، وسوف تجدين أن صلاتكِ كانت صحيحة، وأن قراءتكِ كانت صحيحة، وهذا وجدناه من أفضل الوسائل العلاجية.

وأيضًا تكون صلاتك مثلًا برفقة أهل بيتكِ حسب المستطاع، وليس هناك ما يمنع أن تذهبي إلى المساجد من وقت لآخر، فهناك مصليات للنساء، وهكذا.

فإذًا: هذه الوسائل السلوكية موجودة، وأنا حقيقةً لدي تجارب إيجابية جدًّا مع كثير من الإخوة والأخوات الذين كانوا يعانون من هذه الوساوس.

أيتها الفاضلة الكريمة، نحن في الحقيقة نقول لكِ: لا تكرري الصلاة، نعم، لا تكرريها أبدًا، ودائمًا ابني على اليقين بالأكثر كما أفاد علماؤنا الأكارم، أي اعتبري أنكِ قد أديتِ الركعة أو السجود في الغالب، ولا تلتفتي إلى الشكوك والوساوس التي تدفعكِ إلى الإعادة.

وكذلك إذا كانت الوساوس في الوضوء، فأكدي لنفسكِ أنكِ قد أتممتِ الوضوء، فغسلتِ يديكِ ثلاث مرات، ثم تمضمضتِ، ثم استنشقتِ واستنثرتِ، ثم غسلتِ وجهكِ ثلاث مرات، ثم غسلتِ يديكِ إلى المرفقين ثلاث مرات -اليمنى ثم اليسرى-، ثم مسحتِ رأسكِ بشيء من الماء مرة واحدة، ثم غسلتِ رجليكِ -اليمنى ثم اليسرى- ثلاث مرات.

ومهما أتتكِ من اجترارات واستحواذ وإصرار داخلي لتكرار الصلاة فلا تكرريها ولا تعيديها، وأنتِ من أصحاب الأعذار، وإن شاء الله حين تتوقفين عن التكرار والإعادة -ثلاث أو أربع مرات- سوف تجدين أن الأمر قد تحسن كثيرًا.

وكما ذكرتُ لكِ موضوع تحديد كمية الماء، حتى في الاستحمام والطهارة وغيرهما، نحن نقول للموسوسين: إذا لم تكن لديهم حتى إشكالية مثلًا في الطهارة، نقول لهم: حددوا كمية الماء، وحددوا الزمن الذي سوف تستغرقونه، وهذا بهدف العلاج.

وهناك أشياء كثيرة يجب أن تهتمي بها، وهي: تجنب الفراغ؛ لأن الوسواس يتصيد الناس من خلال الفراغ، وهذه إشكالية كبيرة جدًّا، أحسني إدارة وقتكِ، وتجنبي السهر، واحرصي على النوم الليلي المبكر، ومارسي تمارين الاسترخاء، ومارسي تمارين التنفس المتدرجة، وعليكِ أيضًا بأي رياضة تناسب المرأة المسلمة، وتابعي مع طبيبكِ والمعالجة النفسية.

بارك الله فيكِ، وجزاكِ الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً