الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أتعامل مع ابني في الخطأ الذي وقع فيه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال ابني كلامًا لأحد أقربائنا، فنقل هذا الشخص الكلام إلى زوجتي، ثم نقلته زوجتي إليَّ، وعندما تناقشتُ مع ابني، ذكرت له ما قاله، وكنتُ أريد أن أنصحه بشأن هذا الكلام؛ لأنه تضمّن رأيًا خاطئًا.

لكن ابني علم أن قريبه نقل الكلام إلينا، فغضب من أمه ومن هذا القريب، وأصبح يلومهما على ما حدث، والآن تلومني زوجتي وتقول إنني تسببت في هذه المشكلة.

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضلة/ أسامة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يصلح ابنك، ويؤلف بين قلوبكم، ويجعل بيتكم قائمًا على المودة والحكمة.

أخي الكريم، من الجوانب الطيبة في سؤالك حرصك على نصح ابنك وتصحيح ما تراه خطأً في كلامه، وكذلك حرصك على معرفة ما إذا كنت قد أخطأت في أسلوبك؛ وهذا دليل على رغبتك في الإصلاح لا مجرد إثبات أنك على صواب.

أخي الكريم، ينبغي أن نفرق بين أمرين: حرصك على نصح ابنك، وطريقة وصول الكلام إليه؛ فمن حيث الأصل، ليس خطأً أن تنصح ابنك إذا سمعت عنه كلامًا يحتاج إلى تصحيح، لكن قد يكون من الأفضل أن تنصحه دون أن تذكر له مَن نقل الكلام، خاصة إذا كان ذلك سيؤدي إلى خصومة بينه وبين أُمَّه أو قريبه.

ومع ذلك، لا نستطيع أن نحكم بأنك أخطأت لمجرد أن ابنك غضب؛ فالأمر يتوقف على طبيعة الكلام، وطريقة النقاش، وعمر الابن، والظروف المحيطة بالموقف، قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، فالمقصود من النصيحة أن يصل الحق إلى القلب، لا أن تتحول إلى سبب للعداوة.

ولمعالجة الموقف أنصحك بما يأتي:

• تحدث مع ابنك بهدوء على انفراد: وضّح له أنك لم تقصد فضحه أو إثارة الخلاف بينه وبين أُمَّه وقريبه، وإنما أردت مناقشة الفكرة التي قالها وتصحيح ما تراه خطأً، وأكد له أنك مستعد لسماع وجهة نظره وفهم مقصده، دون أن يعني ذلك الموافقة على كلام غير صحيح.

• لا تجعل النقاش يدور حول مَن نقل الكلام فقط: فمن حق ابنك أن يشعر بالضيق إذا ظن أن كلامه الخاص نُقل عنه بطريقة أضرّت بعلاقاته، ولكن ينبغي أيضًا أن يتعلم أن بعض الكلام قد يصل إلى الآخرين، وأن الأفضل أن يتكلم الإنسان بما يستطيع تحمل مسؤوليته، وفي المقابل، ليس كل نقل للكلام نميمة؛ فقد يكون بقصد طلب المشورة أو دفع الضرر، ويتوقف الحكم على القصد والسياق وطريقة النقل.

• أصلح العلاقة بين ابنك وأُمَّه: أخبره أن اختلافه معها لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو إساءة، وأنه يستطيع التعبير عن غضبه بأدب، وأنت بدورك لا تتهم زوجتك بأنها السبب في المشكلة، بل بيّن لها أنك تتفهم انزعاجها، وأنكما تستطيعان الاتفاق مستقبلاً على طريقة أفضل للتعامل مع مثل هذه المواقف.

• اتفق مع زوجتك على منهج موحد في التعامل مع الابن: إذا وصل إليكما كلام يحتاج إلى نصح، فالأفضل أن تتفقا أولًا على كيفية معالجته، وأن يكون الهدف تصحيح الخطأ وحماية العلاقة الأسرية، لا تبادل اللوم بعد وقوع المشكلة.

• لا تتعجلوا مطالبة الابن بأن ينسى ما حدث: امنحوه بعض الوقتليهدأ، ثم أعيدوا فتح باب الحوار، وإذا تبين لك أن ذكر مصدر الكلام لم يكن ضروريًا وأدى إلى إحراجه، فلا حرج أن تعتذر له عن هذا الجانب تحديدًا، مع بقاء حقك في مناقشة الفكرة وتصحيحها.

وتذكّر قول النبي ﷺ: «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [رواه مسلم]، فالرفق لا يعني ترك الخطأ دون تصحيح، وإنما يعني اختيار الطريقة التي تحقق الإصلاح بأقل قدر من الأذى، ولا تحمل نفسك مسؤولية كل ما ترتب على الموقف، ولا تبرئ نفسك من احتمال الخطأ في طريقة التعامل، بل راجع أسلوبك بإنصاف، وأصلح ما تستطيع إصلاحه، ولا تجعلوا خلافًا عابرًا سببًا لقطيعة طويلة.

أسأل الله تعالى أن يصلح ابنك، ويشرح صدره للحق، ويؤلف بينه وبين أُمَّه وأقاربه، ويعينك وزوجتك على تربيته بالحكمة والرفق، ويجعل ما حدث سببًا لمزيد من التفاهم لا للخلاف.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً