الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لم أعد أستطيع الاستمرار في الدراسة لأني أشعر أنها بلا فائدة.. أرشدوني

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي سؤال يحيرني كثيراً.

أنا شاب لدي هدف أريد تحقيقه، ومتميز في مجال المعلوماتية، ولكن لأصل إليه يجب عليّ أن أدرس في المدرسة.

سؤالي هو: أليست المدرسة بلاءً نزل على البشرية جميعاً؟ فهو نظام تعليمي عالمي مبني على إعطاء مواد لا قيمة فعلية لها، ولا فائدة منها في نظرنا؛ تخيلوا أننا ندرس عن المحبوبة وغيرها، وكيف يتغزل الشاعر بمحبوبته، ومشاعر العشق، ونسهر ونتعب الليالي على مثل هذه الأمور التي نراها سخيفة، ولا تفيدنا.

ونفس الشيء ينطبق على الرياضيات والإنجليزي؛ فالرياضيات لا تفيدنا بشيء عملي، ولا أتحدث هنا عن الأمور البسيطة كالجمع والضرب، بل عن المعادلات المعقدة التي ندرسها فقط من أجل الامتحان ثم ننساها تماماً بمجرد خروجنا.

وفي الإنجليزي: يأتي الأستاذ في أول حصة ويقول علناً: "أنا لست هنا لأعلمكم لغة، بل لأعطيكم شيئاً يمنحكم علامات في الامتحان فقط، ومن أراد تعلم اللغة فليذهب إلى معهد!

المشكلة الحقيقية هي أننا مجبرون على المدرسة لنحقق أحلامنا، وإلا فلن يقبلنا أحد ولن تتاح لنا أي فرصة في المستقبل، وهذا أصعب أمر نفسي وجسدي؛ أن تتعب على شيء سنة كاملة، وأنت مجبر عليه فقط لتصل إلى هدفك، وإذا أخطأت، أو تعثرت في أمر ما، اعتبرك المجتمع فاشلاً.

لكن الحقيقة غير ذلك؛ فليس كل الناس ينجحون من وراء الكتب؛ فقد نجد إنساناً متميزاً ومبدعاً ومحترفاً في الميكانيك ويحبها، ولكنه عندما أتى ليدرس فإنه لا يستطع الحفظ، أو الفهم الأكاديمي، فهل نعتبره فاشلاً لمجرد أنه وُضع في مكان غير صحيح أُجبر عليه؟

لقد تعبت من المدرسة، فما حلها؟ وهل هي بلاء علينا الصبر عليه؟

المشكلة أنني لم أعد أستطيع الاستمرار في الدراسة؛ فعقلي لا يتقبل فكرة دراسة شيء لا أرى منه فائدة ترجى، وأنا الآن في الصف الحادي عشر، وأسير في هذا الطريق فقط لأنني مجبر عليه لتحقيق هدفي، وهذا الأمر في علم النفس يُعتبر أحد طرق تعذيب الإنسان نفسياً، وبسبب كثرة التعب والضغط النفسي، أجد نفسي تارة أترك الدراسة، وتارة أضعف وأقع في معصية الله تعالى؛ لذلك لا أعرف كيف أتصرف معها؟ وما هو حلها؟

والشيء الوحيد الذي يهون عليّ هذه المشقة هو المواد الشرعية؛ لأنني أدرس في مدرسة شرعية علمية، فالمواد الشرعية هي الوحيدة التي تمنحني الأمل، وتهون عليّ مشقة دراسة المواد الكونية، لأنني أحب وأعشق العلم الشرعي، وأستمتع وأفرح بدراسته كثيراً، فما الحل لها؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويبارك في علمك، ويوفقك لتحقيق أهدافك، ومن الجوانب الإيجابية في سؤالك أنك لا تريد أن تهدر عمرك فيما لا ينفع، وأن لديك شغفًا بالمعلوماتية ومحبة للعلوم الشرعية؛ وهذه طاقات جميلة تحتاج إلى حسن توجيه، لا إلى الاستسلام للإحباط.

أولًا: صحّح نظرتك إلى المدرسة: فالمدرسة ليست بلاءً على البشرية، وإن كان نظامها لا يناسب جميع الطلاب، وقد تتضمن مناهج لا يدرك الطالب فائدتها المباشرة، لكن عدم ظهور الفائدة الآن لا يعني انعدامها، وبعض المواد تنمّي التفكير، والتحليل، والانضباط، كما أن الشهادة قد تكون مفتاحًا لتحقيق أهدافك، ولا يلزم أن تحب كل مادة حتى تنجح فيها؛ فالحياة فيها أعمال نؤديها لأنها وسيلة لغاية أكبر، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39].

ثانيًا: غيّر نيتك في الدراسة: بدل أن تنظر إلى الدراسة باعتبارها عبئًا مفروضًا، احتسب فيها نيات صالحة، منها: بر الوالدين وإدخال السرور عليهما، اكتساب العلم والمهارات التي تنفع بها نفسك ومجتمعك مستقبلًا، تحصيل شهادة تفتح لك أبواب التخصص والعمل، بناء مستقبل تستطيع من خلاله الاستقلال المادي وخدمة الناس، فقد يتحول العمل الممل إلى عبادة بالنية الصالحة، إذا كان مباحًا، وصحبتْه نية طيبة.

ثالثًا: ضع خطة واقعية بدل التفكير في ترك الدراسة: اجعل هدفك الحالي اجتياز الصف الحادي عشر وما بعده بأفضل نتيجة تستطيعها، لا التفوق الكامل في كل مادة:

1. خصص وقتًا يوميًا للمعلوماتية، ولو نصف ساعة، حتى تشعر أنك تتقدم في المجال الذي تحبه.
2. قسّم المواد إلى مهام صغيرة، وابدأ بالأهم، وخذ فواصل للراحة والنوم الكافي.
3. كوّن صداقات مع طلاب مجتهدين يشجعونك، واطلب مساعدة معلم أو زميل في المواد التي تستنزفك.
4. اجعل للعلوم الشرعية وقتًا ثابتًا تستمتع به، دون أن تتحول محبتك لها إلى سبب لإهمال واجباتك الأخرى.

رابعًا: تذكّر أن التفوق الدراسي ليس المقياس الوحيد للنجاح؛ فقد يبدع الإنسان في مجال عملي، أو تقني، ولا يكون متفوقًا في جميع المواد، وهذا لا يجعله فاشلًا، لكن ما دمت في الصف الحادي عشر، ولديك هدف يحتاج إلى الشهادة، فلا تتخلَّ عن طريق مهم قبل أن تدرس البدائل وشروطها جيدًا، بالتشاور مع أهلك ومرشدك الدراسي.

وإذا بلغ الضغط حدًّا يعطّل نومك، أو حياتك اليومية، فاطلب مساعدة المرشد النفسي، أو التربوي في مدرستك؛ فليس المطلوب أن تتحمل الإنهاك وحدك.

أسأل الله تعالى أن يبارك في عقلك ووقتك، ويجمع لك بين العلم الشرعي والمهارة النافعة، ويفتح لك أبواب النجاح والخير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً