الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أختي تحادث شابًا وتقول إنه سيتقدم إليها، فكيف أقوم بتوجيهها؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أختي المخدوعة -أي والله- أكبر مني بسنتين، وهي في السنة قبل الأخيرة في الجامعة، تعرفت إلى شاب، وبقي لها تقريبًا سنة ونصف أو سنتان حتى تتخرج، وهذه هي المرة الثانية التي تتعرف فيها إلى شاب، على حد علمي القليل عنها.

الموضوع الحالي: تعرّفت إلى هذا الشاب في "سنتر" كانت تأخذ فيه كورساً تعليمياً، وكان هو أيضاً مشتركاً في دورة هناك، فجاءتني وأخبرتني، وأخبرت أختنا الكبرى المتزوجة ولديها أولاد، وهذا بخلاف ما حدث في المرة الأولى من تعرّفها على شاب سابق، إذ اكتشف الأمر بالصدفة عندما سمعناها تتحدث في الجوال بشكل غير طبيعي، وكانت قد أغلقت غرفتها وكأنها نائمة.

صدمتُ، واتصلتُ بأختي الكبرى باكية، فعلمتُ أنها كانت تعرف من خلال تصرفاتها الغريبة، وقد نصحتها كثيرًا ولم تنتبه، وهذه المخدوعة (أختي) نفسها هي من أنهت الأمر الأول، بحجة أنه أصر على أن يكون الأمر "على نور" وأننا يجب أن نعرف.

أنذرتها وحاولت ردعها، لكن دون فائدة كعادتها، فهي واثقة جدًّا من نفسها وقراراتها وحكمها على الناس، وعلمتُ أنها رأته عدة مرات، ومع استمرارها في هذا الأمر خفت كثيرًا، وتضايقت منها للغاية، حتى إني لا أكاد أكلمها أو أنظر إليها إلَّا بغضب، وكانت هي تحادث هذا الشاب كثيرًا، حتى لاحظتْ والدتي تزايد سُوء العلاقة بيننا.

وخلال هذه الفترة قرأتُ حديثًا: «إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: "يَا هَذَا اتَّقِ اللهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ"، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ، وَشَرِيبَهُ، وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ لَعَنَهُمُ اللهُ»، وعلمت أنه حديث ضعيف.

والآن هي تقول لي إنها ستقطع العلاقة لعدة أسابيع، ثم يتقدم بعدها حتى تسير الأمور بشكل طبيعي ولا يلاحظ أحد شيئًا.

وأنا في حيرة شديدة وأقول:
• ماذا أفعل؟
• أخشى أن يعلم أبي، وكيف لا يعلم؟
• كيف أقبل أن تتزوج بهذه الطريقة؟
• وكيف أطمئن إلى هذا الشخص؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مسلمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أولًا: أهمية النصيحة في الإسلام:
مرحبًا بك -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ونحن نشكر لك حرصك على تجنيب أختك الوقوع في معاصي الله تعالى، وهذا -إن شاء الله- دليل على غيرتك لله تعالى، وحبك لهذه الأخت، وهكذا ينبغي أن يكون حال الإنسان المؤمن مع إخوانه عمومًا، فإن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، وقال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».

ونحن نشد أزرك، ونتمنى أن تستمري على هذا النهج، وهو النصح لكل من تقدرين على نصحه من أخواتك المسلمات، سواء كانت أخواتك من النسب أو لا، ولكن الأقربون أولى بالمعروف.

ثانيًا: التحذير من خطوات الشيطان ووجوب الستر:
هذه الأخت لا شك ولا ريب أنها واقعة في معصية الله تعالى بارتباطها بالعلاقة مع شاب أجنبي عنها، وهي بهذا واقعة في خطوات الشيطان التي قد يجرها إلى ما لا تُحمد عاقبته، وقد نهانا الله -سبحانه وتعالى- في كتابه عن اتباع خطوات الشيطان فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}، ويتعين نصحها، والاهتمام بذلك ترغيبًا أو ترهيبًا.

ولا ينبغي لك أن تملي نصحها ونهيها عن هذا المنكر، ولعلَّ الله -سبحانه وتعالى- يكتب لها الخير على يديك، لكن ينبغي لك أيتها الكريمة، أن تتنبهي إلى أن الأصل هو الستر على الإنسان المسلم إذا وقع في معصية الله، وألا يُفضح وألا يُكشف أمره، فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ»، فينبغي لك أن تناصحي هذه الأخت، لكن مع الستر عليها، ما دام النصح يُجدي وينفع فيها.

ثالثًا: خطوات الإصلاح والوسائل العملية للنهي عن المنكر:
ونحن ننصحك بأن تتشاوري مع أختك التي تعرف منها ما عرفت أنت، تشاورا في ما هو الحل الأنفع والوسيلة الأصلح في نهي هذه الأخت عن المضي والاستمرار في هذا الطريق الذي بدأته، فينبغي لكما أن تتبعا معها الخطوات الأصلح، وهي:

• محاولة تقوية إيمانها بتذكيرها بالله تعالى والجزاء ثوابًا أو عقابًا، تذكيرها بالقبر وما فيه، وينبغي لكم أن تُسمعوها شيئًا من المواعظ في هذا الباب؛ فإن الإيمان إذا قوي في القلب أثّر على الجوارح، فإنه كما قال النبي ﷺ وهو يتكلم عن القلب: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».

• إن لم تُجد هذه الوسيلة فالترهيب، بأن تهددوها بأنكم ستخبرون الوالدة والوالد بما تفعله؛ فإن هذا قد يردعها عما هي فيه.

• أمَّا زواجها من هذا الشخص، وكونه يريد التقدم للزواج، فلا حرج في هذا ولا بأس، بل ينبغي أن تُشجع هذه البنت على القبول به إذا كان موافقًا لها، فإن النبي ﷺ يقول: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلُ النِّكَاحِ»، فإذا تقدم هذا الشاب لخطبتها وكان مرضيًّا في أخلاقه مناسبًا لها فينبغي القبول به، وتشجيعها على إتمام الزواج، أمَّا إذا لم يحصل شيء من ذلك، وكان هذا الشاب يريد من ذلك فقط المخادعة والاستمرار في هذا الطريق، فينبغي لك ولأختك الاجتهاد في محاولة حفظ هذه الأخت من الوقوع في ما هو مُسخط لله تعالى، وقد يجرها إلى ما هو أعظم مما هي فيه الآن.

رابعًا: التوجيه بالرفق واللين في النصيحة:
ابدئي معها كما قلنا بمحاولة النصح باللين والرفق، فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه، تذكرينها بلقاء الله تعالى، وبأن هذا محرم، وتعينينها على نسيان هذا الشخص؛ وذلك من خلال الانشغال عنه بصحبة النساء الصالحات، وإشغال النفس بما فيه منفعة دينية أو دنيوية، ومحاولة تذكيرها باليأس منه ما دام لا يريد الزواج، فإن النفس إذا يئست من الشيء نسيته.

خامسًا: الاستعانة بذوي الفضل وتفويض الأمر لله:
بهذه الوسائل إن شاء الله ستنسى هذه الأخت ذاك الشاب، وسيعتدل حالها، وإذا لم تُجد هذه الوسائل شيئًا فإنه يتعين حينها الاستعانة بمن يستطيع نهيها عن هذا المنكر، ومنعها منه، فينبغي أن تتشاوري مع أختك في من هو الذي يستطيع أن يحول بين هذه الأخت وبين فعلها للمنكرات، مع الستر عليها، فربما كان الحديث مع الوالدة أفضل وأليق، وربما كان الحديث مع الإخوان إذا كان هناك أخ أكبر أفضل، وإذا تعين الأمر لإخبار الوالد بذلك، فإن هذا ينبغي أن يُفعل ولا ينبغي أن يُترك وتُترك هذه الأخت لهواها والشيطان؛ فإن الشيطان قد يجرُّها إلى ما لا يُحمد، وقد تجر على نفسها الوبال، وقد تجرها على أسرتها كذلك، فينبغي منعها والحيلولة دونها ودون ذلك بما أمكن من الوسائل، وينبغي التدرج بالألين فالألين.

ولا شك ولا ريب -أيتها الأخت- بأن الله سبحانه إذا علم الصدق في قلبك، وأنك تريدين بهذه الأخت الرفق واللين والنصيحة، لا شك أن الله عز وجل سيعينك، فننصحك بالتوجه إلى الله تعالى وسؤاله الهداية لها، وطلب العون على هدايتها، وهو فاعل إن شاء الله، فإنه سبحانه يقول في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي».

نسأل الله أن يوفقك لكل خير، ويكتب على يديك الخير لأختك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً