الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما السبيل لأفرح بلذات الحياة وأسعد بتحقيق الإنجازات؟

السؤال

السلام عليكم.

طبيبي الفاضل وأبي العزيز الدكتور محمد عبد العليم: أتوجه إليك بجزيل الشكر والامتنان, ولا أدري – واللهِ - ما السبيلُ لأكافئك على ما قدمته لي, ولغيري من المعذبين في الأرض الذين ابتلاهم الله بالمشاكل والمعضلات النفسية، أما بعد:
فإنني كنت قد استشرتكَ - ولي الشرفُ أن أستشيرُ قامةً وقيمةً مثلكم – في الاستشارة رقم: (2153462), ويعلم الله أنني كنت أعيشُ في حالةٍ أشبه ما تكون بالجحيم، ولولا فضل الله ثم فضلكم لما نجوتُ، ولست أنفي أنني كنت قد اطلعت على عشرات الاستشارات التي جُدتُم فيها على من طلب العونَ، فاستفدتُ أيما استفادة.

طبيبي العزيز: كنتُ قد أخذت بنصيحتكم بخصوص تناول دواء السرترالين 50 مع, ومن خلال اطلاعي على استشارات لكم دعَّمتُهُ بدواء ديناكسيت حبة واحدة في الصباح، وكان لهما - أي الدواءينِ - مفعولٌ كالسحر, وهأنذا أمدُّ يدي مجددًا طالبًا العون منكم في بعض الاستفسارات.
1) أصبحتُ أقتحمُ المواقف الاجتماعية بكل جرأةٍ وإقدام, وأتحدث بطلاقة وأريحية، لكن المشكلةَ أنني لا أشعر بلذة الحياة كذي قبل، ولا أشعر بالوجدانيات كما كنت أشعر بها من قبل، ولا أشعر بنشوة الإنجاز والتحقيق للأهداف، فهل هذه من الآثار الجانبية للدواء؟ وهل هناك دواء يعيد هذه الأمور المفقودة؟
2) وكيف أحافظ على هذا التقدم وأجعله أكثرَ تحقيقًا؟ هل من وسائلَ أخرى لتوديع الخجل والرهاب والحرج الاجتماعي للأبد؟
3) قررت أن أمدَّ يدي لكل من يعانون من مشكلات نفسية - وهم كثر على حد علمي - فهل من وسيلة سريعة للتواصل معك في حال حاجي لتوجيه الأسئلة والاستفسارات؟
4) الزواج: لدي رغبة شديدة بالاستقرار والزواج, ولكني أخشى ألّا أحصل على اللذة والراحة المرجوة للسبب الوارد في السؤال الأول، فما الحل؟
وفي النهاية: تقبل مني هذه الأبيات الشعرية التي كنتُ قد نظمتُها ردًّا للجميل, فأرجو منك تقبلها:
بِكَ يا عظيمُ شددتُ أَزري ****** وَأحرزتُ المُحالَ فكانَ نصري.
وما يومًا حَلمتُ بكلِّ هذا ****** وقد شَدَّ الخِناقَ عَلَيَّ قَبري
فشكرًا ثم شكرًا ثم شكرًا ****** وَهل شُكري يُجازي؟ لَستُ أدري.

شكرًا جزيلًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:

جزاك الله خيرًا, وأنا شاكر مقدر كلماتك الطيبة, وقد أعطيتني أكثر مما أستحق, وليس عندي ما أقوله لك إلا: جزاك الله خيرًا, ومن قال لأخيه: جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء, نسأل الله تعالى أن ينفع بنا الجميع.

أيها الفاضل الكريم: لاشك أنني سعيد جدًّا بأن أعرف مدى التقدم والتعافي الذي وصلت إليه في صحتك النفسية - نسأل الله تعالى العافية, ونعمة الصحة ودوامها, وأن يجعلنا من الشاكرين عليها.

استفساراتك جيدة, وموضوع أنك لا تشعر بلذة الحياة على وجه الخصوص أرى أنه أمر لافت للنظر, ويستحق التوقف عنده؛ لأن التفسيرات في هذا المجال كثيرة، فبعض الناس يكون سقف وجدانهم غير محدد بالنسبة لهم: إلى أي درجة يجب أن يصلوا إلى التعافي والانبساط النفسي, فهذه لا قد لا تكون محددة, وأحيانًا تتجاذب الإنسان بعض الوساوس والتي هي جزء من عملية القلق العام, وهذه تجعله قد لا يحس بلذة الحياة - كما ذكرت - ويوجد تفسير ثالث - وهذا هو المهم - أن الأدوية النفسية من فصيلة السيرترالين والأدوية المشابهة له بالرغم من فعاليته المشهودة والمؤكدة, إلا أن البعض قد اتهم هذه الأدوية أنها حين تخرجك من حالة اكتئاب مثلًا أو المخاوف أو الوساوس تدخلك في مرحلة ممن الممكن أن نسميه بالحياد الوجداني - يعني يصبح الإنسان مقوقعًا أو متقوقعًا وجدانيًا, لا يستطيع أن يتقدم أو يتأخر كذلك - وهذه النظرية أصبح الحديث عنها كثيرًا في الآوانة الأخيرة.

هنالك دواء يعرف باسم فادوكسان هو مضاد للاكتئاب والتوتر, وحين تم تقديمه لأسواق الدواء منذ سنتين تم تقديمه على هذا الأساس: أنه الدواء الوحيد الذي يعالج الاكتئاب النفسي بصورة ممتازة, وفي ذات الوقت لا يؤدي إلى أي نوع من التبلد أو الحيدة في المشاعر الوجدانية, لكن هذا الكلام لا نستطيع أن نقول إن هنالك ما يثبته علميًا, بمعنى أن ما يقال إنه لا يزل تحت البحث, ولا يوجد الدليل الكافي الذي يجعلنا ننقص من قدر الأدوية مثل السيرترالين, ونقول إن الدواء الجديد هو الأفضل.

عمومًا: العلاج لمثل هذه الحالات - عدم الشعور بلذة الحياة - هو الإصرار على أن يكافئ الإنسان نفسه من خلال ما وصل إليه من تحسن، فالتحسن في حد ذاته يجب أن دافعًا للشعور بطيب الحياة ولذاتها.

فيا أخي الكريم: أنت وصلت إلى مرحلة يجب أن توصلك إلى هذا الشعور, وتتخلص من هذا الشعور القهري السلبي، وفي ذات الوقت حاول أن تكافئ نفسك من خلال الانجازات, فنحن كثيرًا ما ننتظر مكافأة الآخرين, ولا نكافئ أنفسنا بأنفسنا, مع أن الأوجب والأفضل والأكثر الفائدة هو أن يكافئ الإنسان نفسه بنفسه, فادفع نفسك حول هذا الاتجاه - اتجاه الإنجازات - واستشعرها.

وأنا - أخي الكريم - لا أريدك أن تعيش تحت وطأة القلق التوقعي, فأنت تحدثت عن الزواج وتخوفك المستقبلي حوله, بالرغم من رغبتك الشديدة, وأنا أقول لك: هذا قلق توقعي سلبي, يجب أن لا يكون جزءًا من حياتك, فأقدم على الزواج, وسوف تجد في الزواج - إن شاء الله تعالى - الخير والسكينة والراحة.

أخي: محافظتك على التقدم الذي أنعم الله به عليك بتذكر هذا التقدم, وهذا التحسن والإصرار على تقوية الدافعية لديك, والدخول في برامج حقيقية تفيد من خلالها نفسك والآخرين, وأنا أرى أن لتحاقك بالعمل أمر ضروري جدًا؛ لتطور مهاراتك النفسية والاجتماعية, ولتقوي نفسك وجدانك, فلاشك أن العمل هو سيلة لتأكيد الذات وتنميتها, ولتحفيزها داخليًا، وقد تحدثنا عن التحفيز الذاتي، وأنا دائمًا أرى أن العمل هو من أفضل الوسائل التي تحفزنا داخليًا.

بارك الله فيك, وجزاك الله خيرًا، نسأل الله لك التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً