الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعاني من عدم الثقة في نفسي وشكلي.. ما نصيحتكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا فتاة أبلغ من العمر 25 سنة، مشكلتي أنني أعاني من عدم الثقة بنفسي، خاصة في موضوع الرؤية الشرعية، لم يتقدم لي إلا أشخاص عن طريق والدي أو أخي دون معرفتي، أو رؤيتي وأنا لا أستطيع مواجهة أحدهم ورؤيته خوفا من أنه سيرفضني لعدم ثقتي في نفسي وشكلي، رغم أنني متوسطة الجمال، وموظفة، وخلوقة، لكن دون ثقة.

أنا دائمة التفكير أن الخاطب يجب أن يكون قد رآني من قبل ليتقدم لي، وليس عن طريق أحدهم ليراني لأول مرة، أتمنى أن أجد عندكم الجواب الشافي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك, ونشكر ثقتك بنا.
أتفهم مشاعرك -عزيزتي- تماما، فأنا فتاة قبل أن أكون مختصة نفسية، حيث إن مجيء العرسان إلى منزل الفتاة وطلب رؤيتها بهدف الخطبة، هو موقف ليس بالسهل على الفتاة من الناحية النفسية، وخاصة إن كانت ثقتها بنفسها ليست قوية بشكل كافٍ.

وأوافقك الرأي بأن الفتاة ستشعر أكثر بالراحة والثقة إن تقدم إليها شاب قد رآها من قبل ونال شكلها قبوله "حتى لو كانت الرؤية عن بُعد وبدون علمها، مثلا في الجامعة أو العمل"، فهذا الشعور سيخفف من توترها وتخوفها بأنه إنْ اعتذر الشاب، فإنّ رفضه متعلق بشكلها الخارجي.

ولكن دعينا نكون حياديين ونتناقش سوياً في هذا الموضوع:
هل كل رفض "في حال كان من الشاب" يكون سببه الشكل الخارجي؟
بالطبع لا، هل كل رفض بسبب الشكل الخارجي يكون معناه أن الفتاة غير جميلة؟
بالتأكيد لا، فكَمْ من فتاة جميلة تقدم إليها شاب ما، واعتذر بعد الرؤية، والسبب أنها جميلة ولكن ليست كما يريد ويرتاح لها قلبه.

أي: ما يسرُّ نظر فلان ليس بالضرورة أن يسرَّ نظر فلان آخر, وهذا الأمر ينطبق على الفتاة أيضا، فما ترينه أنت جميلاً ووسيما من الشباب، ليس بالضرورة أن أراه أنا كفتاة أنه جميل، ما أحاول قوله لك أن الزواج بالذات هو موضوع نسبي يختلف من شخص إلى آخر، فهو تكامل بين رغبات وميول واحتياجات كل من الفتاة والشاب، ورفض أحد الطرفين للآخر لا يعني نهائياً أية إساءة أو نقص للطرف الثاني.

وأنا أرى أن سبب معاناتك الحالية هو أنك تربطين بين احتمالية رفضهم، وبين شكلك، وبالتالي إن شكلك ليس بجميل، هذا الربط غير واقعي وغير حقيقي، فهناك عوامل كثيرة تهم الشاب غير الشكل، مثل (الشخصية، الدين والأخلاق، الجو العام لعائلتها، تفكير الفتاة، جاذبيتها بالنسبة له، روحها وحضورها، لهفة قلبه إليها، تطابقها مع الصورة النمطية داخله تجاه الفتاة التي يحلم بالزواج منها)، كل هذه العوامل تؤكد نقطة أن رفض الشاب لا يعني أية نقص في الفتاة، بل يعني أنها لا تناسبه هو دوناً عن أي شاب آخر.

وهذه العوامل كلها تنطبق عليك أنت أيضا، أي الرؤية الشرعية هي فرصة للفتاة والشاب على حد سواء، ويحق للفتاة أن ترى الشاب إن كان يناسبها أم لا، إن كان يكمّلها وتنجذب له أم لا، ويحق لها أن ترفضه، ورفضها له لا ينقص من قيمة الشاب شيئا، ولكن كل مافي الأمر أنه لا يناسبها هي دوناً عن أية فتاة أخرى.

لذا أتمنى أن تفكري مع نفسك بهذه الفكرة، وحاولي أن تستمدي ثقتك بشكلك ونفسك من نفسك وليس من الرجل، حتى لو كان هذا الرجل هو زوجك يوماً ما (هذه النقطة برأيي تهم كل امرأة تسعى أن تبقى جميلة في عيون زوجها، فكيف سيراها جميلة إنْ لم تكن ثقتها بنفسها وبجمالها كافية لها!).

ما أريدك أن تعرفيه أيضاً أن هذا الموقف ليس مُحرجا على الفتاة فقط، بل على الشاب أيضاً، بل أراه أنه محرج للشاب أكثر، فتخيلي معي أنك شاب قد دخل منزلا ما، بمفرده أو برفقة والدته، وأمامه عائلة كاملة من أب وأخ وأم وفتاة، ووالد الفتاة سيقوم بتفحصه واستجوابه عن كامل سيرة حياته وعن وضعه المادي والمهني والاجتماعي والمستقبلي والأخلاقي والديني (هذا عدا شكله الخارجي والرتابة وهندامه)، وكل ذلك غالباً ما يتم بشكل استجواب بعيداً عن العفوية المريحة، فهل ذلك سهل عليه؟ بالطبع لا، وأيضاً الشاب مطالب اجتماعياً أن يبادر هو مع الأب والفتاة بالرغم من كل هذا الجو المربك، بينما الفتاة حتى ولو خجلت فيُبرّر لها، بل تُحسب لها وفقاً للمعايير المجتمعية على أنها صفة ايجابية.

أقول لك هذا الكلام فقد ينفعك "في موقف مشابه لاحقاُ" بأن تفكري به قليلا، وستجدين نفسك في غاية الراحة، فهذا منزلك والمكان الأكثر راحة لك، وأنت بين أهلك مما سيجعلك أكثر راحة مع نفسك، وكل هذه العوامل ستجعلك أكثر عفوية في تعاملك مع الموقف.

أتفق معك أنه قد تزداد ثقة الفتاة بنفسها أكثر عندما يتقدم إليها شاب قد رأها من قبل ونال شكلها استحسانه, ولكن النقطة الأهم هي، هل يجب أن تتأثر ثقة الفتاة بنفسها إن لم يتحقق ذلك؟ لا أبداً, بل تأكدي أن ثقتك بنفسك وبشكلك الخارجي هي من أهم الصفات التي عليك أن تنميها بشكل دائم بحياتك؛ لأنك ستحتاجينها قبل الزواج وبعده وفي كل مرحلة من حياتك، ولن يتمكن أحد من إعطاءك إياها إن لم تستمدينها من داخلك.

أما عدم تقدم أحد لك حتى الآن يكون قد رآك من قبل، فهذا لا يعني أبداً عدم حدوث ذلك في المستقبل، فأريدك أن تعلمي أن كل لحظة حالية تعيشينها الآن تحمل نفس النسبة من الاحتمالية لتقدم أحدهم إلى أهلك يكون قد رأك سابقاً أو قد دلّته عليك إحدى فتيات عائلته، وخاصة أنك كما أخبرتِنا فتاة على درجة من الجمال والانخراط بالحياة والخُلق، وثقي بأن الله تعالى قد قسم لك كل الخير, في التوقيت المناسب لك والطريقة الأنسب لك، فقط اتركي الأمور تسير كما قُسمت لك، وتأكدي أن الشاب الذي قُسِم له أن يتزوجك سيُعجب بك وبكل تفاصيلك لدرجة أنه سيختار إكمال حياته معك يوماً بيوم، بأن تكوني زوجة له، ولكن من الآن إلى حينها استمتعي بأيامك وحياتك الحالية، وحاولي أن تستفيدي من تجاربك الحياتية التي تمر عليك لتُغْني رصيدك الحياتي، ومن هذه التجارب هي تقدم العرسان، حاولي أن تستغلي هذه الفرص لمعرفة أنماط شخصياتهم وتفكيرهم، فهذا سيساعدك على معرفتك للنمط الذي يكمّلك أنتِ وتبحثين عنه، فالزواج السعيد ليس بمجرد الزواج بل من خلال الزواج من الشخص الصحيح وفي التوقيت الصحيح وأن تكوني أنت جاهزة نفسياً وشخصياً ومعرفياً لرحلة الزواج.

لذا أنصحك أن تقرئي عن الموضوع (اختيار شريك الحياة/ التأهيل الزوجي) حيث ستجدين فيه العديد من الأفكار الهامة التي كنت غافلة عنها وستُعينك فعلاً في رحلة اختيارك لشريك حياتك المناسب لك أنتِ.

أخيراً: تذكّري أنك على قدر عال من جميع العناصر التي تجعل أية فتاة واثقة بنفسها، من خُلُق وعلم وجمال، وفاعلية حياتية وعمر مناسب، لذا اجعلي هدفك أن تُخرجي نفسك من الصورة النمطية المتعلقة بموقف تقدم العرسان، وانظري له على أنه لقاء عفوي بين الشاب والفتاة في وجود الأهل، مثله مثل أي لقاء آخر في الحياة، وتذكري أنه كلما اتسمت الجلسة بالعفوية أكثر، كلما نجح الطرفين في معرفة نمط شخصية الآخر إن كان مناسباً ليكون شريك حياته أم لا.

ختاماً: أتمنى أن تكوني قد وجدتِ الجواب الشافي لكِ في ردِّي، ولا تترددي في مراسلتنا مُجدداً عندما تشائين.

دمْتِ بحفظ الله.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً