أحببت فتاة وصارت من نصيب غيري، فكيف أنساها؟
2026-05-06 02:08:38 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأساتذة الكرام، تحية طيبة وبعد:
أنا شاب في العشرين من عمري، منّ الله عليّ بالالتزام في سن الخامسة عشرة، ثم وفقني لطلب العلم، وحصلت على مجموع عالٍ في الثانوية العامة، واخترت دراسة العلم الشرعي، وأنا الآن في السنة الثانية بكلية الشريعة، والحمد لله.
قبل التزامي بفترة، سافرت إلى بلد عائلة أمي، وتعلّق قلبي بابنة خالتي، وهي تكبرني بسنة، وكانت ملتزمة، ولم أصرّح لها بمشاعري، بل كنت ألمّح بذلك عبر كتابة بعض القصائد، حتى كتبت لها ورقة صرّحت فيها بمشاعري، ثم عاد الأمر إلى أهلي، وكان لذلك أثر في توبتي والتزامي، وتعاملوا معه على أنه نزوة عابرة، وانتهى الموضوع.
في السنوات التالية خفّ تعلقي بها بفضل الله، وساعدني غض البصر، وكنا معًا من المتفوقين، وبدأنا بحفظ القرآن، وقد أتمّت حفظه، وأسأل الله أن ييسر لي إتمامه، وكانت تلك السنوات مثمرة في بناء شخصيتي، حتى أصبحت مرجعًا للشباب في حل مشكلاتهم، وازداد نشاطي في الدعوة.
هذا العام علمت أنها خُطبت، ولم أتأثر كثيرًا، لكن عندما رأيتها مرة أخرى عاد التعلّق بقوة، وأصبحت مشاعري شديدة، وأفرح بسماع صوتها، وأشعر بالوحشة عند غيابها، رغم أني لم أقصد ذلك، وهي الآن قد عُقد قرانها، وأهلي لا يفضلون زواج الأقارب.
أنا في حيرة، ولا أستطيع البوح بما أشعر به لأحد، وقد دعوت الله أن يصرف قلبي عنها، وأخشى أن يكون قلبي قد قسا، رغم انشغالي بخدمة الناس، كما أنني قرأت بعض الحلول، ومنها الزواج، لكن تعلقي بها لم يكن جسديًا، فكيف يساعدني الزواج على تجاوز ذلك؟
أرجو توجيهكم، وبارك الله فيكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو أنس حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
مرحبًا بك -أيها الأخ الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يبارك فيك، وأن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح، وأن يستعملك في طاعته ونصرة دينه.
ولقد سررنا كثيرًا بما قرأناه من وصفك لحالك من الحرص على طلب العلم والجد فيه، ونسأل الله تعالى أن يزيدك منه ويثبتك على طريقه.
أمَّا ما وصفت من حالك مع هذه الفتاة، فلا شك أنك قد وقعت في أوائل العشق والحب، وهو مرض يحتاج منك إلى المسارعة في مداواته قبل أن يستفحل، فتتعذب وتجلب لنفسك أنواعًا من الشقاء والألم، ونحن نأمل -إن شاء الله تعالى- أن نضع بين يديك كلامًا جديدًا مُهمًّا لك، إن أخذته مأخذ الجد وعملت بما فيه؛ فإن فيه -بإذن الله تعالى- شفاؤك مما تعانيه.
مرض العشق -أيها الأخ الحبيب- والحب للنساء ليس شيئًا جديدًا، فقد سبقك فيه أقوام كثيرون، وتكلم العلماء والمصلحون والمربون عن كيفية مداواة هذا العشق، ونحن هنا قبل أن نتحدث عن كون هذا العشق حلالاً أو حرامًا، إنما نعني بالدرجة الأولى الحديث عن كيفية مداواته، ولتخليص نفسك من هذا الحال الذي تعانيه.
تكلم العلماء كثيرًا، ومن أحسن من تكلم في هذه المسألة الإمام ابن القيم -رحمه الله- عن كيفية مداواة العشق، وقد ذكر -رحمه الله- هذا المرض ووصفه وصفًا دقيقًا ووصف دواءه، وكان مما قال -رحمه الله-: "هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكن واستحكم عزَّ على الأطباء دواؤه وأعيى العليل داءه".
وتكلم عنه في مواطن أخرى، وقال عمَّن يُبتلى بهذا المرض: "وعشق الصور إنما تُبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى المعرضة عنه، المتعوضة بغيره عنه، فإذا امتلأ القلب بغير محبة الله والشوق إلى لقائه، دفع ذلك عنه مرض عشق الصور، ولهذا قال تعالى في حق يوسف عليه السلام: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}".
فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق، وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته، فصرف المسِّبب صرفٌ لسببه، ولهذا قال بعض السلف: "العشق حركة قلب فارغ، يعني فارغًا مما سوى معشوقه" انتهى كلامه رحمه الله.
فهذا كلام مهم في توصيف هذا الداء، وفي المقابل في معرفة أسباب علاجه، فإنه -رحمه الله تعالى- يتكلم عن سببه وهو فراغ القلب من غير المعشوق، وتعلقه بالصور المستحسنة الجميلة، ويتكلم عن العلاج له وهو ملء هذا القلب بالإخلاص والمحبة لله، فإنه إذا تزاحم في القلب محبة الله ومحبة غيره؛ غلبت محبة الله.
فالعشق في نظر ابن القيم – رحمه الله – مركب من أمرين: الأمر الأول: استحسان المعشوق، والأمر الثاني: الطمع في الوصول إليه، فإذا انتفى أحد الأمرين انتفى العشق، وأنت أيها الأخ الحبيب محتاج إلى نفي هذين الأمرين عن قلبك، أو على الأقل أحدهما.
فإذا تفكر المتفكر في محاسن المعشوق على الدوام، وتفكر في حسن صورته وحسن صوته فإنه بهذا يزيد من ترسخ هذا المرض في القلب، ولا يسعى في الحقيقة إلى علاج نفسه وتخليصها مما هي فيه.
فأنت محتاج أيها الحبيب إلى:
- أن تطرد عن نفسك تذكر محاسن هذه الفتاة، وأن تصرف نفسك عن التفكر في صفاتها، فكلما عارضت لك حاول أن تشغل نفسك بشيء آخر.
- إذا لم يُجد الأمر الأول فإن إعمال العقل نافع جدًّا، وهو الأمر الثاني: الطمع في الوصول إليها، وهذا لا يفيدك فيه إلَّا العقل الراسخ، فإن النفس إذا يئست من الشيء نسيته، فاستحضر اليأس منها فإنك لن تستطيع الوصول إليها، إذ هي امرأة متزوجة ولا يجوز شرعًا تخبيبها أو إفسادها على زوجها، على فرض أنك تريد ذلك، وأهلك كما ذكرت لا يوافقون في الزواج منها، فاستحضر هذه المعاني، وأنه لا حاجة بك إلى أن تبقى متعلقًا بما أنت يائس من الوصول إليه، فإن العقل إذا تفكر في هذه المعاني كان باعثًا ومعينًا على نسيان هذه المرأة.
وقد مثل ابن القيم – رحمه الله – فيمن يعشق امرأة لا يقدر على الوصول إليها بمن يعشق الشمس، فهل يستطيع أحد الوصول إلى الشمس؟! لا شك ولا ريب أن علاج العقل هذا مفيد ومثمر جدًّا إذا استعملته الاستعمال السليم.
نحن نحب في الأخير -أيها الحبيب- أن نضع بين يديك نقاطًا مهمة تكون مستحضرة لديك على الدوام في علاج مشكلة العشق، وأول هذه المسائل:
1. أن العشق مرض من أمراض القلب، ولا بد من السعي في علاجه.
2. أن العشق قد يكون حرامًا، وذلك بسبب إذا نشأ بسبب نظرة محرمة، أو حاول الإنسان أن يرسخه في قلبه باستعمال الأسباب المحرمة كمراسلة الفتاة، أو التحدث معها، أو النظر إليها، أو نحو ذلك، وهذه معصية يجب على الإنسان أن يؤنب نفسه عليها ويسارع بالتوبة منها.
3. أن من طرق العلاج للعشق الذي يقرره العلماء الزواج إذا كان ممكنًا، وهذا غير ممكن في حقك، فينبغي لك أن تنصرف إلى العلاج الذي يليه، وهو:
4. اليأس من هذه الفتاة واستحضار هذا اليأس سينسيكها، كما قال ابن القيم -رحمه الله-: "إشعار نفسه اليأس منه، فإن النفس متى ما يئست من الشيء استراحت منه ولم تلتفت إليه".
فأنت إذا فعلت هذا -بإذن الله- سيزول عنك ما تجده، ونحن نوصيك -أيها الحبيب- بأن تلتفت بكليتك بقلبك إلى الله، وتشغل نفسك بما يرضيه عنك، وتشغل أوقاتك بشيء نافع، وتتجنب الخلوة حينما تجرك هذه الخلوة إلى التفكر في محاسن هذه الفتاة بقدر الاستطاعة، ثم تلجأ إلى الله تعالى وتسأله -سبحانه وتعالى- أن يعينك على نفسك، وأن يجنبك هذا الشر، فأنت لا تزال في أوائل الطريق، لكن قد يتعلق القلب أكثر إذا لم تسارع في دوائه فتقع في أنواع من المشقة والضيق والحرج.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجنبك هذا كله، وبالله التوفيق.