اجتهدت كثيرًا في الدعاء بالزواج ولم يتحقق، فما العمل؟

2026-01-26 23:42:08 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر 38 سنة، أحب أن أقوم بأعمال ترضي الله، منذ طفولتي وأنا أحاسب نفسي كثيرًا وأجتهد في الطاعات، بذلت المستحيل ليُستجاب دعائي بالزواج، لكنني لم أتزوج، أصبت بالاكتئاب في كل مرة تفشل فيها المحاولات، ثم أبدأ من جديد في تحسين علاقتي بربي، وجعلت هدفي الأول هو رضا الله، ثم تأتي الأمور الدنيوية لاحقًا.

أنا الآن في كرب شديد؛ إذ أدعو كثيرًا وأجتهد وأفعل كل ما بوسعي، لكن الأمر يزداد سوءًا، أشعر بألم شديد، وأحيانًا أقول: يا رب، لماذا أعطيتني قلبًا غير راضٍ؟ فأنا أحاسب نفسي وأحزن لأنني لا أرضى بأي أحد، مع أنني في الحقيقة أريد أن أرضى، لكنني لا أستطيع.

أحيانًا أقول: يا رب، أريد شيئًا واحدًا فقط، وهو أن أبقى معك، أي أن تكون علاقتي علاقة عبدٌ طائعٌ لربه الكريم، وأحيانًا من شدة ألمي أقول: لماذا يا رب، وأنت تعلم أنني أحترق من الداخل وتزداد معاناتي؟ ثم أعلم أن الله لا يحب هذا، فأخشى أن يكون ذلك تسخّطًا.

وعندما تمر فترة أراجع نفسي فأقول: يا رب، ماذا قلت؟ هل كل ما حاولتُ إصلاحه بيني وبينك يذهب هباءً عندما أنطق بمثل هذا الكلام؟

أشعر أنني إنسانة بلا روح، لا أريد الزواج لمجرد الزواج، بل أريد أن أنسى حياة القهر التي عشتها منذ 23 سنة بعد وفاة أمي.

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يزيدكِ من فضله، وهنيئًا لكِ بالاجتهاد في العبادة، ومحاسبة النفس، وبالحرص على ما يرضي الله -تبارك وتعالى-، ونوصيكِ ونؤكد في الوصية بأهمية الاستمرار في الدعاء؛ لأنكِ رابحة في كل الأحوال، فما من مسلمة -أو مسلم- تدعو الله بدعوة إلَّا أعطاها الله بها إحدى ثلاث:
- إمَّا أن يستجيب الله دعوتها.
- وإمَّا أن يدخر لها من الأجر مثلها.
- وإمَّا أن يرفع عنها من البلاء والمصائب مثلها.

فأنتِ رابحة في كل الأحوال، فاحمدي الكبير المتعال، واعلمي أنه ما فتح عليكِ باب الدعاء إلَّا لخير لكِ، ولذلك قال عمر بعد سماع هذا الحديث: "إذًا نُكثر"، قال النبي ﷺ: (الله أكثر).

فاستمري في الدعاء ولا تتوقفي، لقول النبي ﷺ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: ‌قَدْ ‌دَعَوْتُ ‌وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ»، هذا ما يريده عدونا الشيطان، ويريد أن تصلي إليه، وعياذًا بالله -تبارك وتعالى- من عدونا الشيطان ومن شرور أنفسنا.

فاستمري في الدعاء، واعلمي أن الذي يقدره الله هو الخير، وتأدبي بأدب السلف، كما قال ابن الجوزي: "كانوا يسألون الله، فإن أعطاهم شكروا، وإن لم يعطهم كانوا بالمنع راضين، يرجع أحدهم بالملامة على نفسه فيقول: مثلك لا يجاب"، وهذا يفتح بابًا لبرنامج الإسراع والاستغفار، والإنابة والتوبة، وتكرار اللجوء إلى الله -تبارك وتعالى- والتضرع والإلحاح، أو يقول: "لعل المصلحة في ألَّا أُجاب"؛ فأحيانًا الإنسان يطلب شيئًا فلا يعطيه الله؛ لأن هذا ليس في مصلحته.

وما يُقدّره الله لنا خيرٌ مما نختاره لأنفسنا، فالإنسان قد يسأل الله أن يعطيه سيارة والله لا يعطيه؛ لأن موته يكون عليها، ولذلك على الإنسان أن يدعو، قال عمر: "أنا لا أحمل هم الإجابة لأن الله تكفل بها، لكني أحمل هم السؤال"، فلا يمنعكِ تأخر الإجابة من التوقف لأن الإجابة حاصلة ببلاء يرفعه الله، أو بأجر يكتبه الله -تبارك وتعالى- وبأمرٍ يحققه الله في الوقت الذي يقدره الله.

هذه معانٍ لا بد أن تكون واضحة، ونحذر من تكرار هذا الكلام: "لماذا يا ربي؟ لماذا يا ربي؟" هذا ما لا نريده، ما نريد لهذا أن يتكرر؛ لأن الذي يُقدره الله هو الخير، وأنتِ رابحة في كل الأحوال، فلا تتضجري، وإذا جاءتكِ مثل هذه الوساوس فاستغفري الله -تبارك وتعالى- واستمري في الدعاء، لا تتوقفي، لا تتضايقي.

وأنا أعرف صعوبة ما أنتِ فيه من وضع، لكن لَمَّا يفهم الإنسان الحكمة الإلهية سيقول كما قال عمر بن عبد العزيز: "كنا نرى سعادتنا فيما يُقدّره الله"، وكان عمر يقول: "لو كُشف الحجاب ما تمنى الناس إلَّا ما قُدر لهم"، لو كُشف الحجاب ما تمنى الناس إلَّا ما قُدر لهم، فاستمري في الدعاء، وكوني راضية بالله وعن الله، واعلمي أن الرضا بقضاء الله وقدره من أوسع أبواب السعادة، فالسعادة هي نبع النفوس المؤمنة بالله، الراضية بقضائه وقدره، المواظبة على ذكره وشكره وحسن عبادته.

هذه السعادة بحثوا عنها في الأموال فلم يجدوها، كانت الأموال على بعضهم وبالًا، بحثوا عنها في المناصب فلم يجدوها، كانت عليهم سخطًا ومصائب، بحثوا عنها في الزواج فكان بعضهم زواجه وبالًا، بحثوا عنها في الأولاد فكان بعضهم هذا الولد هو سبب الانتقام منه والأذية له.

والسعادة ينالها المؤمن؛ متزوجًا كان أو غير متزوج، مريضًا كان أو صحيحًا؛ لأن السعادة هي نبع النفوس المؤمنة -كما قلنا- بالله، الراضية بقضائه وقدره، المواظبة على ذكره وشكره وحسن عبادته.

فاستمري في الذكر والدعاء، وتجنبي الكلمات التي يُشتم منها رائحة تَسخط، ورائحة الاعتراض، وتُشتم منها مشاعر عدم الرضا، واستمري على ما أنتِ عليه من الخير، وإذا شغلكِ الذكر والتلاوة عن مطالبكِ، فإن الله يعطيكِ أفضل ما يعطي السائلين.

فاستمري في التلاوة والدعاء والإنابة، وكوني راضية بما يقدره الله -تبارك وتعالى- وابذلي الأسباب المادية، الأسباب المادية: أن تكوني بين جمهور النساء، تُظهري بينهنَّ ما وهبكِ الله من أدب وجمال ومروءة وخير أمام النساء اللائي معكِ، واشهدي مشاهد الخير، الصلوات، التراويح، المحاضرات، مجامع الخير؛ لأن عددًا من النساء الموجودات في هذه المحافل الطيبة الطاهرة يبحثن عن أمثالكِ لأبنائهنَّ، أو لإخوانهنَّ، أو لأعمامهنَّ، أو لأي محرم من محارمهنَّ، ونسأل الله أن يقدر لكِ الخير ثم يرضيكِ به.

دائمًا عليكِ بهذا: تسألين الله أن يُقدّر لكِ الخير ثم يرضيكِ به؛ فالله -تبارك وتعالى- أعلم بما يصلح كل إنسان وما يصلح له، سلمي أمركِ لله واستمري في الدعاء ولا تتوقفي.

نسأل الله أن يُقدر لكِ الخير ثم يرضيكِ به، وأن يجعلنا وإياكِ ممن إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا.

www.islamweb.net