كيف يمكنني الرد على شبهات الملحدين فيما يخص المرأة؟
2026-01-27 01:27:12 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم
أرجو منكم الرد على أسئلتي بدقة، وأن تتفهموا حالي، فأنا أثق بموقعكم وبقدرتكم على مساعدتي في أمري.
أنا مسلمة وأثق بأحكام الله، ولا أشكك في ديني، لكن أتعبني كثيراً وأحزنني بشدة كلام الملحدين والمرتدين عن ديننا، وكنت لا أهتم لكلامهم، ولكنكم تعلمون أن كيد الشيطان خبيث، فأصبحت حياتي لا تخلو من الوساوس والتساؤلات الناتجة عن كلامهم، حتى أصبحتُ لا أستطيع قراءة القرآن جيداً خوفاً من أن أقرأ ما يثير هذه الوساوس، فازداد الأمر عسراً عليّ.
أرجو أن تجيبوا على أسئلتي بما يوقف عني هذه التساؤلات، فهؤلاء الناس لديهم صفحات وفيديوهات يسيؤون فيها لديننا، ويجتزئون أحكاماً ليبرروا أقوالهم؛ فهم يقولون إن الإسلام يجبر على زواج الأطفال، ويصورونه على أن الوالدين يزوجون ابنتهم رغم بكائها ورفضها، ويسلمونها لرجل كبير خبيث، ويقولون إن الإسلام يحلل "البيدوفيليا" والعياذ بالله.
وخاصة في أمور المرأة، يستعملون الأحكام لتكريه الناس في الدين، فيقولون إن الإسلام لا يعامل المرأة على أساس أنها إنسان بالغ، وأنه لا قرارات لها، وأنها مجبرة دائماً على الخضوع لوليّ، سواء كان أباً أو زوجاً... وأقوال أخرى.
مشكلتي بدأت عندما لم أستطع الإجابة على كلامهم، وكأنني أعطيتهم الحق في كلامهم لاستدلالهم بآيات وأحاديث صحيحة، حتى أصبحتُ أخاف على كل حكم من أقوالهم، فأعينوني من فضلكم، فإني أخشى أن يُكرِّهوا الناس في الإسلام، وأن يفر كل من يهتم بالإسلام بسبب كلامهم، وأخشى على نفسي الكفر أيضاً.
كيف نجيب على هذه الادعاءات، وخاصة التي لا نراها في عصرنا كزواج الصغيرات مثلاً؟ وكيف نقنع ملحداً أو كافراً بالإسلام إذا استدل بأحكام مثل هذه على سوء الإسلام؟ وأيضاً لقد قرأت في موقعكم أن الرجل يحل له أن يجبر زوجته على الجماع، فيتصور في ذهني رجل يأخذ زوجته بوحشية رغم صراخها وبكائها! وأعلم أن من أصول الشريعة "رفع الضرر"، وأن الله حرّم الضرر على الزوجة، فوضحوا لي الأمر أرجوكم، وأقنعوني أن الضرر يدخل فيه الضرر النفسي أيضاً، فإني أخاف أن يستعمل الكفار هذا الأمر ضدنا.
من فضلكم اذكروا لي أمثلة توضح الحاجة لهذه الأحكام من أجل الفهم الجيد، أرجو أن تتفهموا حالتي فإني أعاني بشدة وبحاجة كبيرة لإجابتكم ومساعدتكم.
وفقكم الله
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سيرين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يقدر لك الخير..وبعد:
فطريقة عرض أسئلتك تدل على ما أنت عليه من قلق وتوتر، لذا دعينا نجيبك بطريقة منهجية:
أولاً: القاعدة التي لا يجب أن تغيب عنك أن أصل الإشكال ليس في الإسلام، بل في طريقة عرض الخصوم للأحكام، وأنه ما من شبهة قائمة اليوم إلا وقد رد عليها أهل العلم، لكن هؤلاء يعتمدون على جهل بعض الأبناء، ويعيدون الأسئلة من غير ضمير ولا مهنية.
نعم، بل نقولها وبصراحة: إن أكثر كلام الملحدين والمرتدين لا يقوم على بحث علمي منصف، بل على اقتطاع حكم جزئي من منظومته الكاملة، ثم تصويره بأقبح صورة نفسية ممكنة، ثم إلزام الإسلام بهذه الصورة المصنوعة، وهذا خطأ منهجي قبل أن يكون خطًأ عقديًا.
وقد وقعت أنت فيه -أختنا الكريمة-، فأنت تتعبين؛ لأنك تحاولين الرد داخل الإطار الذي رسموه هم، بينما الرد الصحيح يبدأ بإعادة المسألة إلى أصولها: ما هو الحكم؟ ما شروطه؟ ما قيوده؟ ما مقاصده؟ ما الضمانات التي وضعها الشرع؟
ثانيا: دعوى أن الإسلام يجيز تزويج المرأة قهرًا دعوى باطلة نصًا وتطبيقًا، والصورة التي يروجونها عن أب يزوج ابنته وهي تبكي وتصرخ ثم يسلمها لرجل لا تريده، ليست فقط صورة منفرة، بل مصادمة لنصوص صريحة صحيحة.
الإسلام قرر بوضوح أن رضا المرأة معتبر، وأنها لا تُنكح إلا بإذنها، سواء كانت بكرًا أو ثيبًا، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا حكمًا ملزمًا لا مجرد نصيحة، فقد روى أحمد وغيره عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (جاءَتْ فتاةٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبي زوَّجَني ابنَ أخيهِ يرفَعُ بي خَسيسَتَه، فجعَلَ الأمرَ إليها، قالت: فإنِّي قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبي، ولكنْ أردْتُ أنْ تَعلَمَ النِّساءُ أنْ ليس للآباءِ منَ الأمرِ شيءٌ)، فهل بعد هذا البيان بيان؟! لم يكتف الإسلام بالقول، وإنما رد العقد الذي وقع بالإكراه، وخيّر المرأة بين الإمضاء والفسخ، وهذا يدل دلالة قاطعة أن القهر ليس من الدين.
فإذا وُجدت مجتمعات أو عادات تُجبر البنات على الزواج، فهذه إساءة تطبيق، لا تشريع إسلامي، ولا يصح عقلاً ولا عدلاً أن يُحمَّل الدين أخطاء بعض متبعيه.
ثالثا: الخلط في مسألة السن وما يسمونه زواج الأطفال: كثير من الجدل المعاصر يتكلم بلغة قانونية حديثة تجعل كلمة طفل عنوانًا لمن هو دون رقم معين، بينما الفقه الإسلامي التاريخي كان يتعامل مع مفاهيم مختلفة: الأهلية، والبلوغ، والقدرة، والمصلحة، وانتفاء الضرر.
والشريعة لم تفتح بابًا لإشباع شهوة منحرفة، بل نظمت عقدًا مسؤولاً له تبعات ونفقة وولاية ومعاشرة بالمعروف، وجعلت قاعدة عامة تحكمه وهي منع الضرر، فأي علاقة يترتب عليها ضرر محقق جسدي، أو نفسي، أو اجتماعي تُمنع شرعًا؛ لأن الشريعة لا تبيح الضرر، ولا تشرعن الأذى، ولا تجعل الإنسان وسيلة لشهوة غيره، ومن هنا فتنظيم سن الزواج في عصرنا، ووضع ضوابط قانونية تمنع الظلم والاستغلال، ليس معارضة للإسلام، بل هو من السياسة الشرعية التي تحقق مقاصده في حفظ النفس والكرامة.
رابعًا: دعوى أن الإسلام يسلب المرأة قرارها دعوى مبنية على سوء فهم الولاية، فالإسلام لم يقل إن المرأة لا تعقل ولا تختار، بل جعل عقد الزواج عقدًا له آثار خطيرة، فشرع الولاية باعتبارها حماية وتنظيمًا للحقوق لا مصادرة للإرادة، والدليل العملي أن رضا المرأة معتبر، وأن العقد يُرد إذا أكرهت، وأن الولي لا يملك أن يفرض عليها من لا تريده، ثم إن القرآن نهى صراحة عن التضييق والقهر، وجعل معيار العلاقة هو المعروف، لا السيطرة، ولا التحكم، ولا إذلال المرأة باسم الطاعة، فالولاية في الإسلام وظيفة مسؤولية لا سلطة استبداد، ومن حولها إلى قهر، فقد خالف النصوص الشرعية.
خامسا: أما مسألة الجماع وسوء استغلال النصوص المتعلقة بها، فنعم، وردت نصوص تحث الزوجة على إعفاف زوجها، لكن تحويل هذه النصوص إلى تبرير للعنف، أو الإكراه، أو الإيذاء النفسي قفزة غير علمية ولا شرعية.
النصوص تتكلم عن واجب داخل علاقة قائمة على السكن والمودة والمعروف، لا عن حق استعمال القوة، ولا عن إلغاء الأعذار، ولا عن سحق المشاعر، والشريعة وضعت قواعد عامة تحكم كل علاقة زوجية، أهمها منع الضرر، وجعل المعروف معيار المعاشرة، لا مجرد أداء الفعل، والضرر في الفقه لا يقتصر على كسر العظم، أو إراقة الدم، بل يشمل الإذلال، والقهر، والإجبار، وما يهدم النفس ويزرع الكراهية والخوف، فالرجل الذي يتعامل مع زوجته بوحشية، ويجبرها، ويهينها ؛ لا يطبق الإسلام، بل يخالف نصوصه الجامعة، وإن استشهد بحديث واحد خارج سياقه.
سادسًا: الإسلام جعل خيرية الرجل في حسن معاملته لأهله، لا في سلطته عليهم، وربط الفضل بالأخلاق داخل البيت لا بالهيمنة، فالصورة التي يرسمها الخصوم عن رجل متدين قاس يصرخ ويضرب ويغتصب باسم الدين، ليست صورة إسلامية، بل صورة إنسان ظالم يستعمل الدين ستارًا.
سابعًا: كيف تردين على هذه الشبهات دون أن تستنزفي نفسك؟ ليس مطلوبًا منك أن تربحي كل جدال، بل أن تفهمي المنهج الصحيح.
قولي بهدوء إن الإسلام يعتبر رضا المرأة، ويمنع الإكراه، ويرد النكاح القهري.
قولي إن الإسلام ينهى عن الضرر ويجعل المعروف أساس العلاقة.
قولي إن سوء التطبيق لا يُنسب إلى التشريع.
ثم توقفي، لأن من كان يبحث عن الحق سيقف عند هذا، ومن كان يبحث عن الطعن سيظل يفتش عن أسوأ احتمال ولو أُغلقت أمامه ألف حجة.
ثامنًا: علاجك أنت حتى لا تتحول الشبهات إلى وسواس:
مشكلتك ليست ضعف إيمان، بل كثرة التعرض لمحتوى عدائي مع حساسية عالية، وهذا يولد إرهاقًا عقليًا، لذا ضعي قاعدة واضحة: لا أتعرض للشبهات إلا بعد إحكام الكليات في الدين، ولا أتعرض لها إلا بقدر الحاجة ومع مصدر علمي موثوق، ولا أتابع محتوى يستفزني، ثم ألوم نفسي على القلق، وإذا جاءت الوسوسة أثناء قراءة القرآن، فلا تتوقفي، بل أكملي القراءة؛ لأن ترك القرآن خوفا من الشبهة يجعل الشبهة تنتصر، بينما الاستمرار يثبت أن الأصل عندك هو الوحي لا الضجيج.
ختامًا: اطمئني فكونك تتألمين من هذه الأسئلة، وتخافين على الدين وعلى نفسك، دليل حياة قلبك لا ضعفه، ودليل صدقك لا ترددك.
نسأل الله أن يحفظك وأن يرعاك والله الموفق.